الخط الأحمر لواشنطن لا يوقف الهجمات السيبرانية

كشكول

الخط الأحمر لواشنطن لا يوقف الهجمات السيبرانية

أشكرة | تقرير 

يجد الرئيس الأميركي جو بايدن نفسه أمام اختبار جدي في العلاقة مع روسيا المتهمة بالوقوف وراء هجمات سيبرانية تسببت في تعطيل مؤسسات ووكالات أميركية وتخريبها خلال السنوات القليلة الماضية، وذلك في الوقت الذي تختبر فيه موسكو مدى حسم الإدارة الأميركية الجديدة للمعركة الخفية وقدرتها على التصدي للهجمات الأكثر ضررا للأمن القومي.

ولا يتوقع خبراء ومحللون متخصصون في الأمن السيبراني نجاح الخطة الأميركية الرامية إلى وقف الهجمات السيبرانية المعقدة، والتي مست من “هيبة” مؤسسات أميركية كبيرة خلال الأشهر الأخيرة، بعد اكتشاف أكبر عملية تجسس إلكترونية على أجهزة كمبيوتر حساسة داخل الولايات المتحدة.

ولم يتوان الرئيس بايدن قبيل توليه لمنصب الرئاسة أوائل هذا العام من توجيه إنذارات إلى روسيا لوقف هجماتها السيبرانية، وأنه يمتلك الطريقة المثلى لوقف تلك الهجمات المعقدة، والتي فتحت الباب أمام مواجهة مفتوحة بين أجهزة الاستخبارات.

ونتج عن القمة الأخيرة التي جمعت الرئيس الأميركي بنظيره الروسي فلاديمير بوتين أمران واضحان، وهما أنه من المؤكد أن روسيا ستختبر مدى حسم بايدن مسألة الهجمات السيبرانية، وأن الرئيس الأميركي ربما يجد صعوبة في فرض خطه الأحمر الذي أكد عليه لنظيره الروسي.

وتقول إليزا سيبينيوس المتخصصة في تغطية شؤون الأمن السيبراني في تقرير نشرته وكالة بلومبرغ للأنباء إن بايدن صرّح في اجتماعه مع بوتين أنه قدم له قائمة تضم 16 قطاعا حساسا لا ينبغي تعرضها للقرصنة حتى لا تردّ الحكومة الأميركية على ذلك بقواتها السيبرانية.

وكانت الولايات المتحدة قد سعت في السابق لتحديد الطريقة التي يمكن من خلالها كبح جماح الهجمات السيبرانية من جانب خصومها، لكن الخبراء قالوا إن ردع أيّ عدوان سيبراني لن يكون بالأمر السهل.

ويقول جيه .جيه . طومسون رجل الأعمال والمستشار في مجال الأمن السيبراني إن بوتين ربما يحاول الإذعان لما طلبه بايدن عن طريق “غسل” القرصنة أي شن هجمات من خلال “كيانات تابعة له في دول متفرقة” لزيادة صعوبة القدرة على تحديد هوية مرتكب الهجمات.
وربما تكون تلك الهجمات غير معروفة المصدر الأكثر ضررا وتوتيرا لأجهزة الاستخبارات الأميركية التي تعرضت بدورها إلى هجمات سيبرانية.

ويضيف طومسون أن الوضع الراهن لن يطرأ عليه أيّ تغيير حتى “يفوق حافز الامتثال للخطوط التي رسمها بايدن حجم الفوائد التي يجنيها بوتين من تجاوز تلك الخطوط”.

وتوضح سيبينيوس أن موجة متسارعة من هجمات سيبرانية كبيرة مؤخرا تم ربط بعضها بروسيا كانت بمثابة اختبار مبكر لبايدن. وقال الرئيس الأميركي وطاقم العاملين معه مرارا وتكرارا إن التعامل مع قضية الأمن السيبراني يمثل أولوية ولكن تحديد كيفية القيام بذلك يعدّ مشكلة معقدة.

وتمتلك الحكومة الروسية بالفعل أطقما من القراصنة المحترفين الذين تم اتهامهم بشن هجمات لا حصر لها بما في ذلك الهجمات على الحزب الديمقراطي قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016، عندما كان بايدن نائبًا للرئيس، واختراق تسع وكالات اتحادية أميركية العام الماضي ونحو 100 شركة خاصة من خلال اختراق أنظمة شركة سولار ويندز ومقرها تكساس، وغيرها من الطرق.

وأظهر الهجوم الإلكتروني على أنظمة شركة سولار ويندز مدى الضعف الكبير الذي تعاني منه مؤسسات الولايات المتحدة على مستوى الأمن الإلكتروني، حيث أظهرت المعلومات الأولية أن عملية الاختراق كانت منذ أشهر طويلة ولم تكن منذ أوائل ديسمبر الماضي.

ويقول مسؤولون أميركيون سابقون وخبراء في الأمن السيبراني إن روسيا توفر ملاذا أمنا لمجموعات إجرامية من القراصنة شنت هجمات مدمرة استهدفت شركات ومنظمات أميركية.

وقدمت الإدارات الأميركية السابقة لوائح اتهام ضد قراصنة في روسيا وغيرها من الدول الأعداء، كما فرضت عقوبات. وبالإضافة إلى ذلك نفذت القوات السيبرانية الأميركية عمليات سرية، حسب ما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز، ولكن إذا كان هناك أيّ تغيير قد حدث فهو أن الهجمات ازدادت سوءاً.

وفي الشهرين الماضيين تم تحميل عصابات إجرامية مرتبطة بروسيا المسؤولية عن هجمات قرصنة للمطالبة بفدية (رانسوم وير) ضد شركة كولونيال بايبلاين، مما تسبب في حدوث نقص في إمدادات الوقود على طول الساحل الشرقي للولايات المتحدة، وضد شركة “جي بي إس اس أيه” البرازيلية لمنتجات اللحوم، مما تسبب في اضطراب عمليات الشركة في الولايات المتحدة وكندا وأستراليا.

ويقول بيل إيفانينا الرئيس التنفيذي لمجموعة إيفانينا والمدير السابق للمركز الوطني للأمن ومكافحة التجسس إن تصرفات بايدن كانت بمثابة إشارة لحلفاء الولايات المتحدة والقطاع الخاص، المختص بالكثير من البنية التحتية الحيوية في البلاد، بأن الولايات المتحدة تواجه تهديدات سيبرانية.

ويضيف أن “الرئيس بايدن بتحديده للخطوط السيبرانية يتيح قيادة جيوسياسية لحلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي والعالم”.

وتابع “بالإضافة إلى ذلك فإن هذا يوجه أيضا رسالة قوية إلى القطاع الخاص في الولايات المتحدة، الذي يعمل بجد ومثابرة لدعم الدفاعات السيبرانية مفادها بأنه ستكون هناك تداعيات في المستقبل إذا استمر بوتين في السماح بالهجمات السيبرانية الضارة في الولايات المتحدة، أو في الشركات الأميركية”.

وتقول سيبينيوس إن القمة كانت فرصة كبيرة لإدارة بايدن لتحديد نهجها الخاص بالردع في الفضاء السيبراني، فقد قال بايدن في مؤتمر صحافي عقب القمة “أوضحت له (بوتين) أن لدينا قدرة سيبرانية هائلة، وهو يعلم ذلك”. وأضاف “أنه لا يعرف بالضبط ما هي هذه القدرة، لكنها هائلة. وفي حقيقة الأمر فإنهم إذا انتهكوا هذه الأعراف الأساسية، فإننا سوف نردّ”.

ويرى جيم لويس وهو أحد كبار نواب رئيس المركز الأميركي للدراسات الاستراتيجية والدولية أنه عندما تقوم روسيا بعملية اختبار لهذه الخطوط الحمراء في نهاية المطاف سيكون من المهم بالنسبة إلى الولايات المتحدة استخدام التدابير السيبرانية “المتناسبة والمتسقة مع القانون الدولي”.

ويعتبر أن التناسب أمر مهم لحشد الدعم الدولي للإجراءات الأميركية في الفضاء السيبراني ولضمان عدم قيام الكرملين بتصعيد هجمات القرصنة، مشيرا إلى أن “هدف روسيا يتمثل في تجنب وقوع صدام عسكري”.

ويقول مايكل دانيي، الذي يقود منظمة مشاركة المعلومات الاستخباراتية بشأن التهديدات وتحالف التهديدات السيبرانية والمنسق السابق للأمن السيبراني في البيت الأبيض في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما إن تحذير بايدن لبوتين رسخ “أساسا لإجراءات مستقبلية للتصدي لأيّ نشاط ترعاه روسيا أو تسمح به”.

غير أنه أضاف “كما هو الحال دائما سيكون التحدي الآن بالنسبة إلى الولايات المتحدة هو دعم الرسالة التي وجهها الرئيس بايدن وذلك عندما يختبر الروس عزمنا حتما”.

وكان مركز “ستراتفور” الأميركي للدراسات الاستراتيجية والأمنية قد توقع أن يؤدي حجم اختراق “سولار ويندز” وطريقة تحفظ الرئيس السابق دونالد ترامب على إلقاء المسؤولية على عاتق روسيا إلى دفع بايدن إلى التصرف بوتيرة أسرع عند توليه منصبه.

ويتوقع أن يعمل بايدن على مراجعة القدرات المؤسسية الفيدرالية بحثا عن طرق لزيادة القدرات الإلكترونية الدفاعية، فضلا عن التنسيق بين الوكالات المختلفة. كما يتوقع مراجعة العمليات السيبرانية الهجومية والاستراتيجية العدوانية لبناء سياسة الردع، ويرى المركز الأميركي للدراسات الاستراتيجية والأمنية أن الإصلاح الجوهري المحيط بالطريقة التي تتعامل بها الولايات المتحدة مع الأمن السيبراني على غرار ذلك في أعقاب أحداث الـ11 من سبتمبر 2001 غير مرجح ضمن عمليات المراجعة.

ويؤكد خبراء “ستراتفور” أن هجوم “سولار ويندز” كان بمثابة ناقوس خطر لتعزيز أنظمة الدفاعات الإلكترونية الذي لا يبدو أنه كان له تأثير كاف يستلزم مثل هذه الإصلاحات.

التعليقات

يرجى ادخال الاسم

يرجى ادخال الايميل

يرجى ادخال التعليق

تم اضافة التعليق مسبقاً

تم الارسال بنجاح

اترك تعليقاً