هل يتنازل بايدن عن الملف السوري لبوتين

شوفي مافي

هل يتنازل بايدن عن الملف السوري لبوتين

أشكرة | تقرير - المحرر - صحف 

بدت الاستراتيجية التي تتبعها إدارة الرئيس جو بايدن في منطقة الشرق الأوسط أنها تضع سوريا على هامش الأولويات. وعلى الرغم من تركيز بايدن في الآونة الأخيرة على تحريك قضايا إنسانية متعلقة بالمساعدات والمعابر الحدودية، فإن تركيز إدارته على إعادة تشكيل الوجود العسكري الأميركي والبقاء في المنطقة بمسميات جديدة مثلما حصل في العراق، يفتح باب التساؤلات بشأن خطواته المقبلة في الملف السوري.

وأدى عدم تسمية إدارة بايدن حتى اللحظة لمبعوث جديد لخلافة جيمس جيفري كمبعوث خاص إلى سوريا إلى فتح نقاشات موسعة داخل الولايات المتحدة حول الاستراتيجية التي سيتبعها الرئيس الأميركي في الملف السوري، المضطرب منذ عام 2011 ولم يصل بعد إلى حلول دائمة.

بدا الملف السوري على هامش أولويات الرئيس الأميركي منذ نحو ستة أشهر على تسلمه منصبه في البيت الأبيض، ولم يعلن حتى اللحظة عن رؤيته بشكل واضح في التعامل مع التطورات السورية، بالإضافة إلى النفوذ الروسي المتنامي ووجود لاعبين إقليميين يتحكمون في مصير تلك القضية.

وفي قمة ثنائية عقدها مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في جنيف منتصف يونيو الماضي، بدت سوريا كملف سياسي على الهامش في ضوء الخلافات العميقة بين الطرفين حول قضايا تتعلق بالتسلح والتدخل في الانتخابات الأميركية والقرصنة الإلكترونية والصين ومسألة أوكرانيا.

وتعد روسيا اللاعب الرئيسي والأبرز في الملف السوري منذ تدخلها في العام 2015، حيث تمكن الرئيس السوري بشار الأسد بفضل المساعدة الروسية من إحكام سيطرته على مناطق واسعة من البلاد، ونجح في التمديد لولاية رئاسية رابعة في الوقت الذي بدت فيه المعارضة على الجانب الآخر ضعيفة ومهمشة وغائبة عن المشهد.
وفي تواصل ثنائي آخر بين بايدن وبوتين أشاد الطرفان بما أسموه “العمل الجماعي المشترك حول سوريا”، لكن هذا التواصل ركز أكثر على قضايا إنسانية لا سياسية بعد الحديث عن نجاح أميركي في إقناع روسيا بعدم استخدام حق النقض الفيتو ضد قرار يسمح بإدخال المساعدات عن طريق المعابر الحدودية.

وبدت القضايا الأساسية الأخرى بين الطرفين غامضة خاصة بشأن التسوية السياسية والاختلافات العميقة بين روسيا وواشنطن على صعيد قضايا دولية أخرى، وهو ما عبر عنه مؤخرا نائب وزير الخارجية الروسي سيرجي ريابكوف قبيل حوار الاستقرار الاستراتيجي مع واشنطن بالقول إن “مناهجنا لا تتطابق في كل شيء، هذا واضح ومفهوم”.

وفي المقابل اتسمت استراتيجية الولايات المتحدة بالنسبة إلى الشرق الأوسط بالتركيز أكثر على فتح حوار مع إيران والعمل على تحريك ملفات اليمن ولبنان، فيما بدت سوريا غائبة في نهج بايدن على الرغم من أن تقارير تحدثت عن تعزيزات عسكرية أميركية أرسلت إلى مناطق انتشار قوات سوريا الديمقراطية.

ويقول مراقبون إن اهتمامات بايدن وإدارته في سوريا عبر الاكتفاء بمسألة وصول الغذاء والدواء والأمور الإنسانية أعطى الانطباع بما يشبه التنازل الصامت عن سوريا لموسكو، في محاولة لتحقيق مكاسب في قضايا أخرى على الصعيد الإقليمي والدولي.

وركزت الاستراتيجية الأميركية الآن على الوجود العسكري في إطار محاربة تنظيم الدولة الإسلامية، وإعادة المساعدات إلى شمال شرق سوريا التي قطعها الرئيس السابق دونالد ترامب، كما أكدت واشنطن التزامها بتخفيف المعاناة الإنسانية.

وفي مارس الماضي ألقى وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن خطابا حماسيا في الأمم المتحدة دعما لتجديد قرار مجلس الأمن القاضي بتجديد منظومة إدخال المساعدات الإنسانية، كما عملت الإدارة الأميركية على درء التهديد الروسي بشأن استخدام الفيتو. ونجحت في تجديد القرار لستة أشهر إضافية فقط، لكن المهمة الأميركية بقيت في الإطار الإنساني فقط في إشارة توحي بأن بايدن يتبع استراتيجية مختلفة.

وطرحت تساؤلات داخل الولايات المتحدة حول الاستراتيجية التي سيتبعها بايدن، وهل ستكون على شاكلة ما سلكه أسلافه في الإدارات السابقة، أم أنه سيستكمل استراتيجية الرئيس السابق دونالد ترامب.

لم يتخذ الرئيس الأميركي بعد أي خطوة على صعيد تعيين مبعوث جديد للملف السوري أو إجراءات عقابية بحق أي كيان مرتبط بالأسد. كما أن رؤيته تتسم بالغموض. ويقول خبراء ومسؤولون في الإدارة الأميركية

إن هناك مراجعة مستمرة للاستراتيجية الأميركية في سوريا خلال الأشهر الأخيرة، لكن لا تبدو أن الاستراتيجية مختلفة عن استراتيجيات أسلافه في ضوء التطورات الحاصلة في المنطقة.

ويقول أندرو تابلر وهو مسؤول سابق في إدارة ترامب ومسؤول ملف سوريا في مجلس الأمن القومي السابق، إن الاستراتيجية الأميركية السابقة في هذا البلد يمكن أن “تقدم رؤى ودروسا قيّمة لمساعدة بايدن في الحصول على نتائج أفضل” في الملف السوري.

ويضيف تابلر في مقال نشرته مجلة شؤون خارجية “فورين أفيرز”، التي تصدر كل شهر عن مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، إن استراتيجية الرئيس السابق دونالد ترامب عملت مثل سابقتها من وراء الكواليس مع روسيا للوصول إلى إيجاد حل دبلوماسي للأزمة.

ويرى أن تلك الاستراتيجية على الرغم من أن البعض وصفها بأنها عملت على تغيير النظام إلا أن النهج الذي ركز عليه فقط هو تغيير السلوك.

ويعتبر أن العقوبات الاقتصادية التي تم فرضها من قبل ترامب في عام 2019 أدت إلى زيادة الضغط الاقتصادي بشكل كبير على نظام الأسد وساعدت في انخفاض سعر الصرف بين الليرة السورية والدولار الأميركي بنحو 250 في المئة. كما سجل استنزاف شديد لخزائن الدولة وما يقابلها من تخفيضات في دعم الوقود والغذاء للسوريين العاديين.

ويرى أن “نظام الأسد أكثر عرضة للضغط الاقتصادي الآن من أي وقت مضى في تاريخه” بفضل الاستراتيجية الأميركية المتبعة منذ آخر عام في ولاية ترامب.

ويقول المسؤول الأميركي السابق إن “العقوبات لا تزال هي أفضل الأدوات في أدوات السياسة في واشنطن” تجاه النظام السوري.

ويضيف تابلر أن “الأسد لن يتوقف عن فعل أي شيء لإبقاء نظامه في السلطة، بعد أن دفعت حكومته أكثر من نصف السوريين لترك منازلهم: 6.6 مليون لاجئ في بلدان أخرى، و6.7 مليون نازح في الداخل ويعتمدون على المساعدات الإنسانية، بالإضافة إلىالدعم الروسي والإيراني”.

ويرى أن أفضل خطة لحل الصراع السوري المتواصل منذ عام 2011 هي قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 الذي تم تمريره بالإجماع وبدعم دولي واسع في عام 2015، لكن الإجراءات التالية للأسد ورعاته روسيا وإيران في السنوات الأخيرة خاصة بعد سقوط حلب ساهمت في إخفاق السياسة الأميركية، حسب ما أكد حينها بلينكن، الذي كان يشغل منصب نائب وزير الخارجية في ذلك الوقت.

وعلى الرغم من غياب الوضوح في الاستراتيجية الأميركية بشأن التعامل مع القضية السورية، إلا أن الانسحاب الأميركي من أفغانستان والتوصل إلى اتفاقية تغير شكل الوجود العسكري الأميركي في العراق قد تدفع الإدارة الأميركية إلى جعل سوريا قاعدة متقدمة للقوات الأميركية في منطقة الشرق الأوسط.

ويبدو أن الاتفاقية العسكرية الجديدة مع العراق تدفع نحو تبدل في الاستراتيجية الأميركية في سوريا، خاصة في ضوء تقارير تتحدث عن إرسال قوافل جديدة للتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، التي تقوده الولايات المتحدة إلى الأراضي السورية.

ويقول المرصد السوري لحقوق الإنسان إن نحو 30 شاحنة محملة بمعدات عسكرية ولوجستية دخلت الأراضي السورية قادمة من كردستان العراق عبر معبر الوليد الحدودي، وتوجهت نحو القواعد العسكرية التابعة للتحالف في تل بيدر ورميلان ضمن محافظة الحسكة.

كما تحدث المرصد السوري، الذي يتابع التطورات الميدانية باستمرار منذ اندلاع الأزمة عام 2011، عن اعتزام قوات التحالف الدولي إنشاء قاعدة عسكرية جديدة في شمال شرق سوريا.

لكن التساؤلات مازالت مستمرة بشأن الخطوات المعلنة من طرف إدارة الرئيس بايدن بشأن الحلول السياسية للأزمة السورية، ويؤكد تابلر على ضرورة تعيين مبعوث خاص جديد إلى سوريا مكلفا بتطوير ما لم يفعله فريق ترامب السابق بشأن اتباع سياسة استراتيجية متماسكة تدعمها وكالة الاستخبارات الأميركية لعزل الأسد والحد من التأثير الخبيث لإيران وروسيا في الملف السوري.

ويقول إنه من المستحيل الوصول إلى تسوية دبلوماسية قابلة للتطبيق من دون وجود استراتيجية أميركية واضحة تتجنب الانغماس في البيروقراطية والمصالح المتنافسة، وإلا فإنّ السوريين سيفقدون جيلا آخر في الصراع.

 

التعليقات

يرجى ادخال الاسم

يرجى ادخال الايميل

يرجى ادخال التعليق

تم اضافة التعليق مسبقاً

تم الارسال بنجاح

اترك تعليقاً