إخوان سوريا في 10 سنوات: حرف مسار الثورة ونشر خطاب الكراهية

محور الشر

إخوان سوريا في 10 سنوات: حرف مسار الثورة ونشر خطاب الكراهية

في الثاني من نيسان (أبريل) من العام الجاري، ظهر المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا، محمد حكمت وليد، في برنامج على قناة سوريا، وأتى اللقاء بمناسبة مرور 10 أعوام على الثورة السورية. خلال المقابلة، طرح محاور البرنامج الصحافي السوري معاذ محارب عدة أسئلة على المراقب العام، منها: هل جماعة الإخوان المسلمين موجودة على الأراضي السورية؟ وكيف يشاركون اليوم كـ "كيان سياسي معارض"؟ وأي شكل تأخذه هذه المشاركة؟

أجاب المراقب العام للجماعة بأنهم، بالطبع، موجودون في مناطق الشمال السوري. وهنا، سأله المحاور مرة أخرى عن شكل هذا التواجد، وهل هو عسكري، أم حزبي سياسي، أم ماذا؟ وما كان إلا أنّ أجاب المراقب العام بما معناه أنه ما من وجود عسكري ولا سياسي واضح المعالم للإخوان في سوريا، وإنما يأخذ وجودهم شكل "أفراد" و"مراكز دعوية".

وحول دور جماعة الإخوان المسلمين داخل "الائتلاف السوري المعارض"، الذي يضم قوى وأحزاباً سورية متنوعة، قال المراقب العام: إنه لا يوجد في الائتلاف سوى 5 من المنتسبين للجماعة، وهم يفضلون الوقوف في الصف الثاني، وليس بالواجهة. وأضاف: "صحيح أننا نشارك في المعارضة، ولكن اخترنا أن نكون في الصف الثاني، وألّا نكون في الصف الأول، عن سابق قصد في هذا الأمر، اعتقاداً منا أنّ هذا يجنب الثورة الكثير من الصعوبات التي نُصادفها كجماعة، لا نريد أن نحمّل الثورة الصعوبات التي تتحملها الجماعة".

وعندما قال له محاوره إنّ البعض يرى أنّ رغبة الجماعة في الوقوف في الصف الثاني "تُعد نوعاً من الغموض أو عدم تحمل المسؤولية"، أجاب المراقب العام إنّ الأمر على عكس ذلك، وفيه نوع من "الإيثار"، وإنّ جماعة الإخوان قد دفعت أثماناً كبيرة بسبب مواقفها السياسية، ووقوفها ضد النظام السوري في عهد حافظ الأسد في سبعينيات القرن الماضي في سوريا.

لكن من الواضح أنّ أداء جماعة الإخوان خلال الأعوام الماضية لا يشير إلا إلى الغموض فيما يخص تحركاتها السياسية، ولعل الشيء الوحيد الواضح في أداء إخوان سوريا السياسي هو تأييدهم لقرارات وانتهاكات تركيا في الشمال السوري، وتهجير جزء كبير من الأكراد، سواء كان ذلك في عملية "درع الفرات" على الحدود السورية التركية 24 آب (أغسطس) 2016- 29 آذار (مارس) 2017، أو في عملية "غصن الزيتون" في عفرين 20 كانون الثاني (يناير)- 24 آذار (مارس) 2018، وما تلا ذلك من تهجير للسكان واستحواذ على ممتلكاتهم وبيوتهم. وقد تغاضت جماعة الإخوان عن إرسال الجيش التركي لمقاتلين سوريين إلى ليبيا وتحويلهم إلى مرتزقة.

بالطبع، مواقف جماعة الإخوان من كل ما حدث كانت متسقة ومتطابقة تماماً مع مواقف "الائتلاف السوري"، الذي ينكر المراقب العام أنّ جماعة الإخوان تهيمن عليه وعلى قراراته.

في محاولة لتأمل وضع جماعة الإخوان في العالم بشكل عام، وفي سوريا بشكل خاص، يقول الكاتب والمؤرخ السوري سامي مروان مبيّض  "ممّا لا شك فيه أنّ جماعة الإخوان المسلمين بشكل عام في حالة تراجع كبيرة منذ سقوط حكم محمد مرسي في مصر العام 2013، مروراً بسقوط عمر البشير في السودان، وصولاً إلى الانقلاب الأبيض الأخير في تونس، لكنهم أثبتوا خلال مسيرتهم الطويلة أنهم قادرون على التحول والتأقلم مع أي ظرف كان، ولذلك، لا يمكننا القول إنّ مشروع الإخوان انتهى؛ طالما أنهم ما زالوا يحكمون في أنقرة عبر حزب العدالة والتنمية، وفي فلسطين عبر حماس".

ويضيف: "التطرف لا يحارب بالضرب، بل بفكر ديني نيِّر قادر على تعرية الإسلام السياسي الذي يدّعونه، وهذا الفكر يحتاج إلى قادة رأي وشيوخ متنورين ولهم شعبية في الشارع".

ويرى سامي أنه في الوقت الحالي لا يوجد مشروع عقائدي متكامل لمحاربة فكر الإخوان، وهو ما تحتاجه دول الاعتدال في المنطقة أكثر من السلاح. يقول: "انظروا كيف يتوسع مشروعهم باتجاه أفريقيا والعرب نائمون، وكيف يتم التخطيط لغزو مجتمعات لا تاريخ لها بالإسلام السياسي، مثل جمهورية أفريقيا الوسطى، حيث يعمل الإخوان على استقطاب مُسلمي ذلك البلد إلى مشروعهم، مستفيدين من الفقر والعوز والحرب الأهلية فيه".

حول إخوان سوريا، يقول سامي: "لم يكن لهم ثقل كبير في المدن الكبرى، كانت شعبيتهم أقوى في الأرياف، وتحديداً عند فقراء الريف. تغيَّر هذا الأمر قبل 10 أعوام ودخلوا إلى قلب المدن، أو بالأصح إلى المجتمعات الفقيرة في المدن الكبرى. هذا الدخول كان عقائدياً وليس عسكرياً، لأنّ تواجد الإخوان اختصر على بعض الفصائل العسكرية في ريف إدلب، وقد ساعدتهم تركيا طبعاً، مثلما ساعدت من قبل حركة حماس".

ويتابع: "الآن، تغير الأمر كلياً، بسبب ضيق الموارد المادية وتجفيف منابع التيار الرئيس في مصر، وعدم قدرة إخوان سوريا على خلق جيل جديد يحاكي هموم الناس".

الصحافي السوري مالك الحافظ يرى أنّ الإخوان يؤثرون بمستويات متعددة على الصعيد السياسي بسوريا، سواء بشكل مباشر من خلال تواجدهم في "الائتلاف الوطني المعارض"، أو من خلال أجهزتهم الإعلامية والإغاثية التي تؤثر في الرأي العام بما يخدم مشروعهم في سوريا.

ومن أبرز الوجوه السياسية الإخوانية فاروق طيفور، وعلي صدر الدين البيانوني، ونذير الحكيم، وهيثم رحمة، وملهم الدروبي.

يقول مالك : "يشكل الاقتصاد حاجة استثنائية لدى الإخوان، لكونه يُعتبر أبرز أهم أدوات تنفيذ مشروعهم الفكري والسياسي، فضلاً عن كونه عاملاً رئيساً يُوظَّف في بناء الحاضنة الاجتماعية المؤيدة لهم، عبر مسارات متعددة منها المساعدات والمشروعات الخدمية، وقد صار العامل الاقتصادي، إلى جانب توجهاتها الدعوية والسياسية، من أبرز الأبعاد الأساسية في صياغة رؤية جماعة الإخوان".

ويضيف: "يوَجِه الاقتصاد مشروع الجماعة الفكري والسياسي، ويمكن القول إنه اقتصاد مُسَيَّس يميل نحو التدين حيث سعت الجماعة إلى توظيف الدين لتنمية مواردها المالية، وهو اقتصاد خدمي يستهدف التغلغل في المجتمع أيضاً، وهو اقتصاد عائلي مرتبط بعلاقات القرابة والمصاهرة بين عناصر الجماعة".

ويرى مالك أنه بعد الحراك الشعبي في سوريا عمل الإخوان على تمويل بعض جماعات المعارضة المسلحة، فضلاً عن سيطرتهم منذ تأسيس أولى المجالس السياسية آنذاك (المجلس الوطني السوري) على أهم ركنين فيه، وهما المساعدات والمكتب العسكري.

ويرى مالك أيضاً أنّ الجماعة استطاعت استعادة نفوذها داخل سوريا، خاصة في حمص وحماة وإدلب، في أولى أعوام الحراك، وتلك ليست بالمهمة الهينة بعد 30 عاماً من الغياب السياسي، حسب تعبيره.

وحول الجدل الذي حدث بشأن وثيقة "عهد وميثاق" التي أصدرتها الجماعة في آذار (مارس) 2012، يقول مالك: "في هذه الوثيقة حددت الجماعة الأطر العريضة للمستقبل السوري بعد سقوط النظام، داعية من جديد إلى بناء دولة تقوم على مبدأ المواطنة. لكنّ الجماعة ذاتها، وبعد شهور قليلة، شنت حرباً على الوثيقتين اللتين أقرّهما اجتماع القاهرة الموسع للمعارضة السورية في حزيران (يونيو) 2012، لم يثنها عن خوض هذه الحرب تشابه مضمون وثائقها مع وثائق مؤتمر القاهرة، ويبدو أنّ غرضها كان عرقلة إمكانية توحيد المعارضة الديمقراطية، ورفع مستوى الخلافات والاتهامات بين أطرافها، من أجل أن تؤمّن لها نفوذاً وازناً في المجلس الوطني، ثم في مؤسسات الائتلاف؛ وقد أدى هذا إلى خيانة المبادئ المعلنة في وثائقهم، وكذلك تقوية حضور الجماعات المتطرفة والإرهابية، التي بدت قادرة أكثر من غيرها على النمو، وهو الأمر الذي ساهم بتحجيم الهوية الوطنية السورية".

ويضيف: "مع تطور الحراك الشعبي إلى انتفاضة مسلحة، ظل تأثير الجماعة محدوداً بشكل أو بآخر، ورغم أنّ بعض الجماعات المسلحة انتسبت إلى جماعة الإخوان انتساباً اسميِّاً، فإنّ معظمها لم  يكن مهتماً بإيديولوجيتها".

ويتابع: "كما ساهم ذلك بخلق فراغ سمح بتمكين جماعات جهادية، من أبرزها "تحرير الشام"، من الاستيلاء على الفصائل المسلحة المتوافقة مع الإخوان والمعارضة المعتدلة. في حين اتّجه الإخوان إلى التركيز على أعمال الإغاثة المتمركزة في تركيا، فتمكنوا من اختراق بعض قطاعات المجتمع السوري من اللاجئين هناك بوساطة توفير الإغاثة والدعم اللوجستي".

ويستنتج: "بعدما تراجع الحضور الجهادي، استطاعت جماعة الإخوان استعادة بعض نفوذها، ففي الوقت الذي هاجمت فيه "هيئة تحرير الشام" جماعات معارضة، رحبت جماعة الإخوان بأفراد تلك الجماعات للانضمام إلى ذراعها العسكرية المعروفة باسم "فيلق الشام". هذا، وعملت الجماعة على عقد هدنة مع "تحرير الشام"، بحيث لا يشكل "فيلق الشام" أي تهديد لها، على أن توافق الجماعة على عدم الترويج لنشاطها العقائدي أو الديني في الجمعيات أو المؤسسات التي تديرها "تحرير الشام"".

الكاتب السوري شيار خليل، مدير تحرير مؤسسة "ليفانت" اللندنية، يقول : "ساهم الإخوان المسلمون السوريون في حرف مسار الثورة السورية من مطالب شعبية محقة إلى خلق كتل سياسية وعسكرية راديكالية تستخدم الثورة، التي قام بها الشعب السوري بوجه آلة القمع السورية المتمثلة بنظام بشار الأسد، لتقوية التنظيم الإخواني المرتبط بأجندات وكتل سياسية عربية وتركية".

ويضيف: "كان للإخوان دور كبير في خلق تحالفات سياسية داخل المعارضة السورية واستخدامها، من حيث المسار السياسي، لصالح أجنداتها الحزبية والتنظيمية. كان ذلك واضحاً مع بداية تشكيل "المجلس الوطني السوري المعارض" وتدخل الإخوان فيه بالتحالف مع بعض الشخصيات اليسارية السورية التي دعمت أجنداتها وروجت لهم كتنظيم "سياسي وطني"".

ويتابع: "من هنا خطط التنظيم بشكل تكتيكي لخلط الأوراق السياسية في سوريا، وتشويه المفاهيم العامة للثورة وإدخالها في متاهات تنظيمية بحتة اعتمدت على مبدأ المحاصصة السياسية والأقلوية، جاذبين بعض الكتل السياسية الأخرى من الأقليات التي تدعم المصالح العامة للتنظيم".

ويرى شيار أنّ التنظيم روّج في بدايات الثورة السورية لفكرة رفض تقاسم السلطة مع النظام السوري بالتوازي مع الترويج لفكرة التدخل الخارجي لإنهاء سلطة بشار الأسد وإسقاطه، لكنه سرعان ما غير الفكرة وبدأ ينادي بعدم التدخل الخارجي بشكل مباشر، بالتزامن مع تسليمه القرار الثوري السوري إلى حزب "العدالة والتنمية" التركي، وتدريجياً جعل مركز القرار السوري المعارض في أنقرة، حتى وصول تركيا للتدخل عسكرياً في شمال سوريا، حسب تعبيره.

ويرى شيار أيضاً أنّ قيام الإخوان بتشكيل فصائل عسكرية "معارضة"، بدعم تركي وقطري، ساهم بشكل كبير في انحراف مسار الثورة السورية من المطالبة بإسقاط النظام السوري إلى محاربة الأكراد في شمال وشمال شرق سوريا، بالتزامن مع وقف الجبهات العسكرية مع النظام السوري، وإفشال الأفكار السياسية المنادية بخلق جسم سياسي وطني لكل السوريين، حسب قوله.

ويتابع شيار حديثه: "شارك الإخوان النظام السوري في إقصاء كل السوريين من العملية السياسية، وبالتالي رفض فكرة التعددية في حكم سوريا، وتحوير القضية السورية وتجنيدها لصالح استراتيجيات إيديولوجية ودينية واضحة، لا سيّما في مساهمة الجماعة بتشكيل فصائل عسكرية راديكالية سرقت ونهبت السوريين، وساهمت بنشر خطاب الكراهية بين السوريين أنفسهم بمستوى عالٍ".

ويردف: "انقسمت الثورة السورية وتشظت أكثر مع تحكم الإخوان بالقرار السوري المعارض، لا سيّما أنّ الجماعة بدأت مع الاجتياح والاحتلال التركي لمدينة عفرين ترى أنّ أطماعها تكبر، وأصبحت لديها بنية جغرافية داخل سوريا لإعادة إنتاج التنظيم بشكل أقوى، والتحكم بشكل فعال في القرار السوري، وبالتالي تأجيل فكرة إسقاط النظام السوري بضغط تركي، والتفرغ لمحاربة الأكراد السوريين والحصول على دعم أكبر من "العدالة والتنمية".

ويختم شيار بالقول: "من كل ذلك نستنتج أنّ تنظيم الإخوان السوري استطاع خلق تحالفات سياسية مع تركيا وقطر لعسكرة الثورة السورية وتغيير مسارها، وبالتالي إعادة إنتاج نفسه سياسياً وعسكرياً، ودعم فكرته التنظيمية بشكل أكبر، وبالتحالف مع قوى يسارية سورية انجرّت إلى تلك المعركة الإيديولوجية، وذلك واضح بشكل كبير في هشاشة الكتلة السياسية التي تمثل الثورة السورية، "الائتلاف المعارض"، وتعويمها للأفكار الوطنية التي تؤسس لدولة تجمع كل السوريين بعيداً عن التدخل التركي في سوريا".

التعليقات

يرجى ادخال الاسم

يرجى ادخال الايميل

يرجى ادخال التعليق

تم اضافة التعليق مسبقاً

تم الارسال بنجاح

اترك تعليقاً