قراءة في زيارة وزير الخارجية الإماراتي إلى دمشق

وجهة نظر

قراءة في زيارة وزير الخارجية الإماراتي إلى دمشق

أشكرة

تُنبئ وتيرة الاتصالات المتسارعة بين دول عربية ونظام الحكم في سوريا، بما في ذلك زيارة وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد آل نهيان إلى دمشق يوم الثلاثاء (9-11-2021) ولقائه ببشار الأسد، بتحوّل مهم في سياسة تلك الدول حيال الشأن السوري. يأتي ذلك على خلفية نأي الولايات المتحدة بنفسها عن شؤون الشرق الأوسط، ويبدو أنه يعكس قناعةً متنامية لدى بعض الدول العربية بأن الحوار مع نظام الأسد أفضل لصون مصالحها من ممارسة الضغوط السياسية عليه أو الانتظار إلى ما لا نهاية أملًا في حدوث تغيير في سلوكه.

نناقش في هذه المقالة دلالات زيارة وزير الخارجية الإماراتي إلى دمشق عبر فهم السياق العام، مع التعريج على أبرز محطات التقارب بين الطرفين.

المحور الأول- محطات رئيسية لدور الإمارات في سوريا خلال سنوات الأزمة:

وصل وفد إماراتي رفيع المستوى بقيادة وزير الخارجية الشيخ عبدالله بن زايد، الثلاثاء، إلى سوريا، في أول زيارة من نوعها منذ بدء الأزمة السورية قبل أكثر من 10 سنوات.وشهدت العلاقات بين دولة الإمارات وسوريا انقطاعاً منذ فبراير عام 2012، بعد تطورات الثورة السورية، وتصاعد قمع المظاهرات التي كانت تطالب بتغيير نظام الأسد، والتي تحولت إلى حرب دامية ومعارك عسكرية استمرت لسنوات طويلة.

وكانت الإمارات قبل عام 2011، ثاني أكبر مستثمر عربي بسوريا، لاسيما في قطاع المجمعات العقارية والسياحية، وتشير تقارير إلى أن القيمة الإجمالية لاستثماراتها ناهزت 20 مليار دولار في حلول العام 2011.

وتشير التقارير إلى أن الإمارات كانت أكبر مصدر للاستثمار الأجنبي المباشر داخل سوريا، خلال العقد الأول من القرن الحالي، حيث بلغ حجم التجارة بين البلدين عام 2009 نحو 322 مليون دولار، وذلك جعل سوريا في المرتبة الـ58 بمجال التبادل التجاري غير النفطي للإمارات مع بلدان أخرى.

فيما يلي أبرز المحطات في علاقة أبوظبي ودمشق خلال سنوات الأزمة السورية:

  • انضمّت الإمارات إلى نظرائها في مجلس التعاون الخليجي في إدانة أفعال النظام السوري ضدّ المحتجّين في أواخر صيف العام 2011. وفي نهاية المطاف، عمدت الإمارات ومعها الدول الأعضاء الخمسة الأخرى في مجلس التعاون، إلى إقفال سفاراتها في دمشق، في آذار مارس 2012، ثم أعلنت في مناسبات عدّة، في السنوات اللاحقة، عن دعم "تطلّعات الشعب السوري لإعادة الأمن والاستقرار إلى البلاد".
  • أصبحت الإمارات عضواً في التحالف الدولي للدول المناهضة لنظام دمشق، المعروف باسم "أصدقاء سوريا"، في اجتماعه الأول الذي عُقِد في العاصمة تونس، في شباط فبراير 2012. ثم كانت الإمارات واحدةً من دول مجموعة "لندن 11" التي اجتمعت مع الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية في العاصمة البريطانية لندن، في العام 2013.
  • قدّمت الإمارات دعماً سخياً للشخصيات والمجموعات التي تعارض سياسات الإخوان المسلمين، أو لا تدعمها، ضمن الهيئات المُعارِضة السياسية والمسلّحة في سوريا.
  • قدّمت الإمارات الدعم لمجموعات المعارضة المسلّحة، خصوصاً بين العامَين 2012 و2018، وإن كانت اضطّلعت بدورٍ أقلّ بروزاً على هذا الصعيد من دور السعودية وقطر وتركيا. وقد شملت تلك المجموعات بمعظمها كتائب غير إسلامية تابعة للجيش السوري الحرّ، جرى التحقّق جيداً من سجلّها للتأكّد من أنها مُعادية للفصائل الجهادية والإخوانية، علماً أن الدعم الإماراتي لها قُدّم عبر برامج تديرها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، ولا سيما في جنوب سوريا انطلاقاً من مركز العمليات العسكرية في الأردن (موك).
  • حاربت الإمارات إلى جانب قوات سوريا الديمقراطية بصفتها عضواً رسمياً في التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية.
  • في المقابل، لم تقطع الإمارات علاقاتها الدبلوماسية بدمشق بالكامل، بل واصلت السفارة السورية عملها في أبو ظبي، ناهيك عن أن الإمارات فتحت أبوابها لعددٍ من أقارب الأسد المقرّبين، بمَن فيهم والدته أنيسة (التي توفّيت في الإمارات في العام 2016)، وشقيقته بشرى (التي قُتِل زوجها اللواء آصف شوكت في تفجير وقع في دمشق، في تموز يونيو 2012) وأبناؤها.

حافظت الإمارات العربية المتحدة طوال سنوات الصراع على مستوى كبيرٍ من المساعدات الإنسانية لسوريا، عن طريق وكالات الأمم المتحدة في دمشق، كما دعمت العديد من المؤسسات الإنسانية في الشمال السوري الخاضع للمعارضة. وقد وصلت قيمة المساعدة الإماراتية الخارجية لسوريا إلى حوالي مليار دولار بين العام 2012 وأوائل العام 2019.

المحور الثاني- السياق العام:

تأتي زيارة المسؤول الإماراتي إلى دمشق ولقائه ببشار الأسد في إطار جملة من العوامل والمتغيرات التي شهدتها المنطقة مؤخراً، وعززت التكهنات بوجود تسوية إقليمية شاملة، وأبرز هذه العوامل:

  • الجهود المعلنة لعدد من الدول العربية (الأردن- العراق- الجزائر) بالتعاون مع روسيا في إعادة دمشق إلى الجامعة العربية قبيل القمة العربية القادمة التي ربما تعقد عام 2022. علماً أنّ دور الجامعة العربية في الأزمة السورية كان معدوماً منذ العام 2015 بعد التدخل الروسي.
  • لقاء وزير الخارجية السوري خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول سبتمبر الماضي عددا من وزراء الخارجية العرب، بمن فيهم وزراء خارجية مصر والأردن والإمارات العربية المتحدة والعراق
  • تضمين سوريا في خطط تزويد لبنان بالوقود؛ حيث وافق الأردن في السادس من أكتوبر/تشرين الأول على إرسال الفائض من طاقته الكهربائية إلى لبنان عبر الشبكة السورية، مما يؤشر على المزيد من المرونة الأمريكية فيما يتعلق بالعلاقات المفروضة على دمشق.
  • اتفاق الأردن ومصر وسوريا، على البدء في إعادة تأهيل خط الغاز العربي لتصدير الغاز المصري إلى لبنان عبر الأردن وسوريا، ومن ثم إلى أوروبا عبر تركيا.
  • تلميح أردوغان في 11 أكتوبر/ تشرين الأول إلى أن أنقرة قد تشن عملاً عسكرياً ضد الفصائل الكردية في شمال سوريا، في أعقاب هجوم تعرضت له القوات التركية.
  • التراخي الأميركي بسبب قدوم الديمقراطيين الأكثر تساهلاً مع إيران، والذين يرى بعضهم عدم جدوى تطبيق العقوبات على الدول. الأمر يترجم حتى الآن كعدم ممانعة لما يجري من خطوات تطبيعية رغم قانون قيصر.
  • دخولالنزاع في سوريا عامه العاشر وعدم تحقيق أي تقدم في المسار الأممي نتيجة ارتهان المعارضة لأجندات خارجية، وبشكل أكثر تحديد، تركيّة.
المحور الثالث- أبرز أشكال عودة العلاقات بين الإمارات وسوريا:
  • في 20 تشرين الأول أكتوبر 2021، تلقى ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد آل نهيان، اتصالاً هاتفياً من رئيس النظام بشار الأسد، تناول فيه العلاقات بين الجانبين في ثاني اتصال معلن بين الجانبين. ونشرت وكالة الأنباء الإماراتية بياناً قالت فيه، إن الاتصال تناول "تطورات الأوضاع في سوريا ومنطقة الشرق الأوسط إضافة إلى مجمل القضايا والملفات ذات الاهتمام المشترك".
  • إعلان وزارة اقتصاد النظام السوري، في 3 أكتوبر 2021، أن وزير الاقتصاد السوري التقى نظيره الإماراتي، وجرى الاتفاق على تشجيع التبادل التجاري والاستثمار والتعاون على الصعيد الاقتصادي بين سوريا والإمارات، وذلك على هامش أعمال المعرض الدولي "إكسبو 2020" في دبي. وأضافت الوزارة أن "الخليل" قدم عرضاً لنظيره الإماراتي لقانون الاستثمار، "الذي يؤمّن بيئة استثمارية مناسبة وجاذبة في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، وتشجع المستثمرين على إقامة المشاريع في كل المجالات". وفي هذا الشأن أكدت الوكالة الناطقة باسم النظام السوري "سانا"، أن المباحثات التي عُقدت بين الوزيرين، ناقشت القضايا الاقتصادية ذات الاهتمام المشترك، من بينها الاتفاق على إعادة تشكيل وتفعيل مجلس رجال الأعمال السوري الإماراتي بهدف تشجيع التبادل التجاري والاستثمار والتعاون على الصعيد الاقتصادي بين البلدين.
  • لقاء وزير الطاقة والبنية التحتية الإماراتي سهيل المزروعي مع وزير الموارد المائية بالنظام السوري تمّام رعد، في 22 سبتمبر 2021، بإمارة دبي على هامش اجتماعات المنتدى العربي الخامس للمياه، وجرت مباحثات لتعزيز التعاون المشترك في مختلف المجالات، خاصةً ملفي المياه والطاقة.
  • إعلان السلطات الإماراتية استعدادها لاستئناف الرحلات الجوية بين البلاد والعاصمة السورية دمشق عبر مطاري دبي والشارقة، في 20 يونيو 2021.
  • في 27 مارس 2020، جرى اتصال هاتفي بين ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد وبشار الأسد؛ لبحث مستجدات وتداعيات انتشار فيروس كورونا في المنطقة والعالم والإجراءات والتدابير الاحترازية المتخذة في البلدين للتصدي لهذا الوباء.
  • مشاركة وفد إماراتي مؤلّف من 40 شخصاً، بمَن فيهم أعضاء في غرف التجارة السبع في الإمارات، في الدورة 61 لمعرض دمشق الدولي، ما بين 28 آب أغسطس و6 أيلول سبتمبر 2019.
  • إعادة فتح السفارة الإماراتية في دمشق أواخر 2018.
المحور الرابع- دلالات واستنتاجات أولية من زيارة وزير الخارجية الإماراتي إلى دمشق:

يمكن قراءة الخطوة الإماراتية في إطار النقاط التالية:

  • حرص دول الخليج عموماً، إضافة إلى مصر، على إحياء العلاقات مع رئيس النظام السوري بعد تعمّق المخاوف بشأن التأثيرات الإقليمية البديلة من دول مثل إيران وتركيا.
  • التبدّل في سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط؛ وما ترتب عليه من ابتعاد إدارة بايدن عن المنطقة، وإدراج مناطق أخرى في رأس أولوياتها، وتساهلها النسبي تجاه سوريا.
  • تغلغل النظام التركي ومحاولة احتلاله أراض سورية تحت عناوين مختلقة على حساب الأمن القومي العربي.
  • انعدام الرغبة الحقيقية للمجتمع الدولي في تغيير نظام الحكم في سوريا.
  • سيطرة جماعة الإخوان المسلمين على مؤسسات المعارضة السورية، وترافق ذلك مع استمرار حالة التشرذم والإرتهان الفصائلي.
  • بروز حاجة ملحّة للتعامل مع الدولة السورية بصرف النظر عن طبيعة النظام الحاكم، نظراً لموقع سوريا الجيوسياسي.
  • دعم الإمارات محاولات التصالح بين القوى الموجودة على الأراضي السورية لإعادة الحوار السياسي الداخلي.
  • محاولة الإمارات إبعاد سوريا عن إيران؛ إذ من المعروف أنّ للإمارات عدة مشاكل مع طهران، سواء لاحتلالها بعض الجزر الإماراتية أو لتهديد أمن الخليج بشكل عام.
  • انخراط الإمارات مع النظام السوري يمكن أن تشكّل ورقة ضغط على دمشق لدفعها إلى مراعاة بعض المصالح والمخاوف الرئيسة لدول المنطقة. ويبدو الأسد حريصًا على العودة إلى كنف الدول العربية لاستعادة الشرعية وتمهيد الطريق أمام تطبيع علاقاته مع سائر الدول العربية، ما قد يفسح بدوره المجال أمام رفع العقوبات الغربية عن سورية، وربما الحصول على تمويل عربي لإعادة إعمار البلاد.

اضطّلعت الإمارات العربية المتحدة، منذ بداية الثورات العربية في أواخر العام 2010، بدورٍ فاعلٍ ومتنامٍ في المنطقة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، مُعزّزَةً في الوقت نفسه مكانتها بوصفها مركزاً مالياً إقليمياً، ومركز استقطاب عالمي في قطاع الأعمال. وعقب بداية الحرب في اليمن، في آذار مارس 2015، والتدخّل الروسي في سوريا، في أواخر أيلول سبتمبر من العام نفسه، اتّبعت الإمارات تدريجياً مقاربةً جديدةً حيال سوريا، إلى أن تخلّت في نهاية المطاف عن معارضتها الرسمية السابقة لدمشق. هذا ولم تعُد سوريا في صدارة أولوياتها السياسية، ناهيك عن أنها بدأت تعيد النظر في سياستها الخارجية عقب جائحة كورونا واتفاقية السلام مع اسرائيل.

في الواقع، سيشكّل التقارب الإماراتي مع نظام الأسد سابقةً تحتذي بها دول عربية أخرى، ناهيك عن دول من خارج المنطقة تحت ذرائع (عبء اللاجئين والواقعية السياسية..). ويبقى أن ننتظر لنرى إلى أي مدى سيكون الأسد مستعدًا، أو قادرًا، على تقديم التنازلات مقابل الحصول على الشرعية وإعادة دمج سوريا في فلك الدول العربية. لكن الأكيد أن النظام السوري تمكّن من فتح كوّة في جدار عزلته السياسية، بالتزامن مع قرار الولايات المتحدة أن تشيح بنظرها عن منطقة الشرق الأوسط.

في المحصلة، تأخذ الزيارة طابعاً رمزياً ومن المرجح أن تتضمن في أجندتها نقاشات حول الاستمرار في عملية التطبيع مع نظام الأسد في مقابل تخفيف الوجود الإيراني، وهذا لب الصفقة العربية – المدعومة (نظرياً) من إسرائيل- مع روسيا والنظام.

التعليقات

يرجى ادخال الاسم

يرجى ادخال الايميل

يرجى ادخال التعليق

تم اضافة التعليق مسبقاً

تم الارسال بنجاح

اترك تعليقاً