ما قصة "حقائب الدولارات" التي قدمتها إيران لجهات في الجنوب السوري؟

شوفي مافي

ما قصة

تشكّل سوريا حلقة بالغة الأهمية في منظومة النفوذ المترابطة التي تعمل إيران منذ أعوام على مدّها غرباً وصولاً إلى ضفة البحر المتوسط، لكنّ البيئة الاجتماعية والعقائدية السورية لا توفر للإيرانيين الميزة نفسها المتوفّرة في كل من العراق ولبنان، حيث يساعد العدد الكبير للشيعة في هذين البلدين على توطيد نفوذ الإيرانيين واستدامته.

وبقدر ما أتاحت الحرب في سوريا لإيران فرصة التدخّل في البلد وزرع ميليشياتها في مناطقه، فقد كشفت لها محدودية التعويل على السلاح وحده لبسط أكبر قدر ممكن من السيطرة عليه، في غياب الأرضية الدينية والطائفية الضرورية لاحتضان النفوذ وحراسته، الأمر الذي حتّم اللجوء إلى طرق وأساليب أكثر نعومة كالأموال مثلاً، ولكنها أعمق تأثيراً.

وقد عملت إيران بالفعل على تحويل أعداد من السوريين إلى التشيّع، مستغّلة حالة الهشاشة الشديدة التي أصبحت عليها أوضاعهم بعد أعوام الحرب التي أتت على كلّ ما يملكون من مقوّمات العيش، وقضت على مصادر رزقهم، وجعلتهم في حالة فقر تام لأيّ نوع من أنواع الأمان في ظلّ غياب شبه تامّ للدولة.

وفي تقرير نشرته مجلة "فورين بوليسي" تحت عنوان: "إيران تحاول تحويل سوريا إلى التشيّع"، قالت: "إنه مع مرور (10) أعوام على الحرب السورية، تحاول إيران جعل تأثيرها دائماً".

وأضافت الصحيفة أنّ نظام البعث لحافظ الأسد كان أوّل من أعطى شرعية للخميني وثورته الإسلامية في إيران، لكنه كان حذراً من السماح لإيران بتوسيع نفوذها في سوريا، كما فعلت في لبنان عبر حزب الله.

لكنّ حالة اليأس التي أصابت نجله وخليفته بشار الأسد أعطت التوسعيين في إيران الفرصة التي كانوا ينتظرونها، ودخلت القوات الإيرانية وحزب الله اللبناني سوريا للدفاع عن الأسد ضد المعارضة المسلحة، وقد جنّدت إيران الميليشيات من أفغانستان والعراق وباكستان للدفاع عن نظام بشار الأسد.

 

الأموال مقابل التشيّع
في الأعوام الأخيرة، وبعد انخفاض وتيرة المعارك، عملت إيران على تشجيع السنّة في سوريا على التشيّع، أو تخفيف مواقفهم من منافسيهم الشيعة.

ومع مرور الوقت، بحسب الصحيفة، جنّدت إيران ميليشيات محلية سورية بذريعة حماية المزارات الشيعية، ووطدت علاقتها مع الجهاز العسكري، وخاصة الفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد

وبعد مرور عقد على الحرب الأهلية، باتت الجماعات التي تدعمها إيران تسيطر على ضواحي دمشق، وتحرس البلدات الاستراتيجية على الحدود السورية- اللبنانية، وهي حاضرة بأعداد كبيرة قرب الحدود السورية مع إسرائيل، ولديها عدة قواعد في حلب، وأقامت منذ هزيمة تنظيم داعش عام 2018 عدداً من المعسكرات قرب الحدود السورية- العراقية.

ولم تقم إيران بتأمين قوس التأثير عبر السلاح فقط في كل من العراق وسوريا ولبنان، بل في الأعوام الأخيرة، بعد انخفاض وتيرة المعارك عملت إيران على دفع أموال طائلة للسنّة للتقرب منهم، وقدّمت لهم المحفزات؛ لكي تضمن اصطفافهم إلى جانبها.

وقد تحدثت "فورين بوليسي" مع عدد من السوريين الذين يعيشون داخل مناطق النظام وتحوّلوا للتشيع، فقالوا: إنّ الأوضاع الاقتصادية جعلت من الصعوبة عليهم تجاهل الامتيازات التي تقدّمها إيران. وتوفر إيران أموالاً نقدية للمحتاجين السوريين مع جرعة ثقيلة من التثقيف في المدارس الدينية، ومنحاً لأطفالهم للدراسة في الجامعات الإيرانية، وعناية صحية مجانية ورزم طعام ورحلات إلى المزارات الدينية، من أجل تشجيعهم على التشيع.

وهذه الإجراءات الصغيرة ليست مكلفة بدرجة كبيرة، ولكنها تعطي إيران فرصة للتأثير على الفقراء السوريين. وقامت إيران بتجديد المزارات القديمة وبنت أخرى، وكأنها تحاول إعادة كتابة تاريخ سوريا الديني، مع أنّ سوريا ظلت دولة ذات غالبية سنيّة بأقلية شيعية.

وقال عدد من الناشطين والسكّان المحليين والمحللين: إنّ إيران تحاول تقديم نفسها كقوة ناعمة من أجل بناء قاعدة دعم لها طويلة الأمد بين السنّة؛ بهدف الاحتفاظ بتأثيرها والسيطرة على الجماعات الوكيلة لها، كما فعلت في العراق ولبنان. وقد ساعد النظام السوري الميليشيات الإيرانية من خلال قراره سيئ الذكر "أمر 10" الذي يسمح بموجبه ببيع ممتلكات اللاجئين السوريين في الخارج.

وقد اشترت الميليشيات الإيرانية بيوت السوريين، وصادرتها في حالات أخرى، بل قام أفرادها بجلب عائلاتهم من لبنان والعراق للإقامة الدائمة في سوريا.

وافتتحت إيران عدداً من المدارس والجمعيات الخيرية والمزارات، ولم تجد مقاومة كبيرة للتوسع في دمشق وحلب، وحاولت إغراء قادة العشائر في دير الزور للتوسع في المحافظة.

استيطان الجنوب السوري
وفي سياق متصل، كشف تقرير للمخابرات العسكرية الإسرائيلية أنّ جهات إيرانية أرسلت في الشهور الأخيرة حقائب مليئة بالدولارات إلى عدة جهات في البلدات السورية الجنوبية، في منطقتي حوران والجولان، بغرض تجنيدها لأهدافها السياسية والعقائدية، حسب ما نشرته صحيفة "الشرق الأوسط".

وجاء في التقرير أنّ الأموال وصلت إلى عدد من قادة المجتمع في مدينة السويداء، أبناء الطائفة العربية الدرزية، التي عرف بعضها بتأييده للنظام، ويبدي تحولاً نحو إيران وحزب الله اللبناني، ووصلت الأموال إلى قادة بلدة قرفا التي نجحت إيران في تحويلها من المذهب السنّي إلى المذهب الشيعي، وإلى جهات أخرى تسعى لتجنيدها أو تشييعها واستخدامها في تسهيل مهمات حزب الله.

وتتابع "الشرق الأوسط" أنّ تقرير الاستخبارات الإسرائيلية الجديد يرى أنّ النشاط الإيراني آخذ في الاتساع حالياً، خصوصاً في منطقتي الجنوب والشرق، وكذلك قرب الحدود مع لبنان، حيث يقومون بشراء بيوت وأراضٍ بأعداد هائلة، ويأتون بسكان جدد من إيران نفسها، أو من مجموعات سكانية شيعية أخرى من عدة بلدان في المنطقة، مثل العراق وأفغانستان واليمن، وغيرها، ويستغلون الفاقة والضائقة المالية للسكان المحليين، فينشئون الجمعيات الخيرية لإغراء السكان.

ومع أنّ التقرير يشير إلى أنّ هذا النشاط الإيراني يثير قلق نظام بشار الأسد، إلا أنه يحمّله في الوقت ذاته المسؤولية عنه. ويقول عن هذا النظام: إنه لا يعالج مأساة الفقر والعوز التي خلفتها الحرب، بغياب العمل وتدهور الوضع الاقتصادي، بل يفرض ضرائب جديدة على السكان، ويلاحق الشباب على تهربهم من الخدمة العسكرية، ويترك الناس محتاجين لأيّ دعم من أيّ جهة.

ويقول التقرير: إنّ هذا النشاط يتسبب في القلق أيضاً لدى إسرائيل وروسيا وعدة دول في المنطقة، وإنّ إسرائيل التي تحارب التموضع الإيراني العسكري في سوريا، لا تجد وسيلة ناجعة لمحاربة الاستيطان المدني للإيرانيين.

في الوقت الذي تتواصل فيه ممارسات الإيرانيين لتشييع السوريين، وتشكّل ميليشيات تابعة لها، تحاول بعض الدول العربية أخذ خطوات باتجاه التطبيع مع نظام بشار الأسد في سوريا، وتتوالى محاولات تبدو جادة لإعادة هذا النظام إلى الجامعة العربية، بينما ما تزال بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة عند موقفها الرافض لتأهيل هذا النظام "المتهم بارتكاب عمليات إبادة جماعية على مدى أكثر من (10) أعوام".

"تطبيع عربي" للحد من التوسع الإيراني
فقد كشفت وثيقة أردنية أنّ الهدف النهائي من الخطوات العربية للتطبيع، هو "خروج جميع القوات الأجنبية والمقاتلين الأجانب من سوريا، الذين دخلوا البلاد بعد 2011"، بما في ذلك انسحاب القوات الأمريكية والتحالف من شمال شرقي سوريا، وفق مقاربة "خطوة مقابل خطوة"، تشمل "الحد من النفوذ الإيراني في أجزاء معينة من سوريا"، ممّا عزز التوقعات بأن تكون التطورات الأخيرة في سياق استراتيجية جديدة اتبعها العرب لوقف الهيمنة الإيرانية في المنطقة.

وكشفت الوثيقة أنّ الهدف النهائي من "التطبيع العربي" مع النظام السوري هو "خروج جميع القوات الأجنبية والمقاتلين الأجانب، الذين دخلوا البلاد بعد 2011، من الأراضي السورية"، بما في ذلك انسحاب القوات الأمريكية والتحالف من شمال شرقي سوريا وتفكيك قاعدة التنف الأمريكية، قرب حدود الأردن والعراق.

ويتضمن هذا التقارب "حوافز" لدمشق، مثل مرور "أنبوب الغاز العربي" عبر سوريا من مصر والأردن إلى لبنان، وإقامة الإمارات محطة كهرباء على الطاقة الشمسية، بموازاة عدم اعتراض أمريكي على تلك الخطوات، بل تعليق العقوبات التي فرضها قانون قيصر على التعامل مع النظام في سوريا.

يشار إلى أنّ الجانب الأردني أعدّ هذه الوثيقة أو الخطة قبل أشهر، وناقشها الملك عبد الله الثاني مع الرئيسين: الأمريكي جو بايدن في واشنطن في تموز (يوليو) الماضي، والروسي فلاديمير بوتين في آب (أغسطس)، ومع قادة عرب وأجانب.

وحسبما ذكرت صحيفة "الشرق الأوسط"، فإنّ تلك الوثيقة شكّلت أساساً لعدد من الخطوات التي قامت بها دول عربية تجاه دمشق سابقاً، وشملت لقاء وزير الخارجية فيصل المقداد (9) وزراء عرب في نيويورك، وزيارات رسمية أردنية ـ سورية، واتصالات بين قادة عرب والأسد.

ومن أبرز المواقف العربية الداعية للتقارب مع النظام السوري، قول وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة الأربعاء الماضي: إنه آن الأوان لعودة سوريا إلى جامعة الدول العربية، مشدداً على أنّ كرسي سوريا يجب أن يعود إليها، من دون التدخل في سياساتها ومن يحكمها.

كما أكد الوزير الجزائري، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الرسمية، أنّ بلاده لم توافق أصلاً على تجميد عضوية سوريا في الجامعة العربية، مشيراً إلى أنّ ذلك لم يسهم في الحلول.

تصريحات لعمامرة، جاءت بعد يوم واحد من زيارة أجراها وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد إلى سوريا، في زيارة هي الأولى من نوعها منذ أكثر من (10) أعوام، كان النظام السوري يعيش خلالها شبه عزلة عربية، بسبب رفضه كل المبادرات لإيقاف الحرب التي شنها على السوريين المطالبين بتغيير في بلادهم.

يشار إلى أنّ جامعة الدول العربية اتخذت قراراً في 12 تشرين الثاني (نوفمبر) 2011، بتعليق عضوية النظام السوري في الجامعة، بسبب رفضه التجاوب مع مبادرة لها للحل في سوريا.

وطلب القرار سحب السفراء، مع إبقاء الطلب "قراراً سيادياً لكل دولة"، وصدر القرار بموافقة (18) دولة، واعتراض (3)، هي سوريا ولبنان واليمن، وامتناع العراق عن التصويت.

ويرى مراقبون أنّ الموقف العربي تجاه النظام السوري متباين، خاصة أنّ عدة دول عربية ما زالت ترفض تعويمه، مثل السعودية، بينما يبدو الموقف المصري غير محسوم حتى اللحظة، على الرغم من اللقاء الذي تمّ بين وزير الخارجية المصري سامح شكري، ووزير الخارجية السوري فيصل مقداد، أواخر أيلول (سبتمبر) الماضي، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وفق ما أوردت صحيفة العرب اللندنية.

التعليقات

يرجى ادخال الاسم

يرجى ادخال الايميل

يرجى ادخال التعليق

تم اضافة التعليق مسبقاً

تم الارسال بنجاح

اترك تعليقاً