مقام الإفتاء.. ديناميكية جديدة للصراع بين النظام والمعارضة في سوريا

وجهة نظر

مقام الإفتاء.. ديناميكية جديدة للصراع بين النظام والمعارضة في سوريا

ألغى رئيس النظام السوري بشار الأسد قبل أيام منصب المفتي العام للجمهورية والذي كان يشغله حتى وقت قريب أحمد بدرالدين حسون، وأوكل مهام الإفتاء إلى مجلس تابع لوزارة الأوقاف كان قد أسسه تحت مسمى "المجلس الفقهي العلمي" مشكّل من عدد من الطوائف والأقليات ويضم بين أعضائه ممثلين عن المسلمين السنة.

وتسبب القرار بموجة جدل واسعة بين نشطاء، وأثار تساؤلات عديدة عن أسباب القرار وخلفياته، وأبعاده السياسية في الداخل السوري. حيث رأى الكثيرون أن إلغاء منصب المفتي العام يستهدف المسلمين السنة بالدرجة الأولى، وهوية المجتمع السوري بشكل عام، الأمر الذي دفع بـ "المجلس الإسلامي السوري" المعارض ومقره إسطنبول إلى انتهاز الفرصة وملء الفراغ عبر "انتخاب" الشيخ أسامة الرفاعي مفتياً عامًا للجمهورية العربية السورية، في رد فعل عاطفي انفعالي طائفي، وفق بعض المراقبين.

نسلط الضوء هنا على فحوى القرارين والإنتقادات التي وجهت لهما، مع التعريج على الدلالات والأبعاد السياسية في الداخل السوري.


تاريخ الإفتاء في سوريا:

يجادل البعض بأنّ مقام الإفتاء امتداد تاريخي لمقام "قاضي الدولة" في عهد الخلفاء الراشدين وقاضي القضاة منذ عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد، ومن ثم مقام شيخ الإسلام على امتداد تاريخ الخلافة العثمانية منذ عام 1420م حين كان معيناً للسلاطين في إصدار احكام دينية تتوافق مع رغباتهم وتستخدم لإخضاع الرعية باسم الدين. ثم سمي مقام مفتي الديار الشامية، بدءا من العام 1882م، وهي كلها مسميات لموقع واحد هو المفتي العام للبلاد.

ومع نشأة سوريا دولةً مستقلّة بعد انتهاء العهد العثمانيّ كان منصب الإفتاء حاضرًا منذ السّنوات الأولى، وشهدت البلاد خلال 100عام، تعاقب 6 مفتين اختلفت سيرهم مع تبدل أحوال السياسة والمجتمع. ففي عام 1918م عيّن الشّيخ محمّد عطا الكسم مفتيًا بقرار حكومة الملك فيصل. وخلال فترة الانتداب الفرنسي في سوريا بين عامي 1920 و1946، لم يتدخل الفرنسيون كثيرًا في التسلسل الهرمي الديني الموجدود في البلاد. وطالما لم يحدث تمرد ما ضد حكومة الانتداب، فقد ترك الفرنسيون للشعب أمور تنظيم علماء الدين السوريين وتلبية الاحتياجات الدينية.

في الفترة التي توصف بالانتقالية من الانتداب إلى الجمهورية المستقلة، كان محمد شكري الأسطواني مفتيًا لسوريا، ويعتبر ابن عائلة من عائلات دمشق المرموقة. وعقب وفاة شكري الأسطواني، تولى الإفتاء عام 1955 محمد أبو اليسر عابدين.

ويعتبر أبو اليسر من أكثر العلماء تأثيراً وتميزًا في عصره، وظل في منصبه حتى انقلاب حزب البعث عام 1963. حيث كانت إقالة أبو الشيخ أبو اليسر من أولى أعمال إدارة البعث.

شغل الشيخ النقشبندي الكردي أحمد كفتارو منصب الإفتاء 40 عامًا من عام 1964 حتى وفاته عام 2004. وكان مسؤولًا عن إضفاء المشروعية الدينية على كل عمل يقوم به حافظ الأسد، بما في ذلك المجازر التي قام بها نظام الأسد الأب. ويمكن وصف العلاقة بين حافظ الأسد وأحمد كفتارو كنوع فريد من تضامن الأقليات؛ رئيس علوي لأغلبية سنية، ومفتي كردي لجمهورية وأغلبية عربية.

عيّن أحمد بدر الدين حسون عقب وفاة كفتارو، مفتيًا للجمهورية السورية عام 2005، الذي كان مفتيًا لحلب في ذلك الوقت. وكما أن حسون نقشبندي كذلك مثل كفتارو، أقام أيضًا تعاونًا وثيقًا مع حزب البعث والأجهزة الأمنية والشبكات الإقتصادية الموالية للنظام وكان له دورٌ وظيفي في تبرير جرائم النظام وشيطنة المعارضة.

في العموم، لم يكن للمفتي العام في حقبة البعث ومن ثم التحولات التي طرأت على طبيعة نظام الحكم، من صلاحيات تذكر، ولا بوسعه اتخاذ قرارات منفصلة عن الدولة والحكومة، إنما كان للكرسي الذي يشغله تأثير كبير على بنية المجتمع وتوازنه.

 

قراءة في قرار النظام إلغاء مقام الإفتاء

أولاً- فحوى المرسوم:

أصدر النظام السوري يوم 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2021 المرسوم التشريعي رقم 28 لعام 2021، القاضي بتعزيز دور "المجلس العلمي الفقهي" وتوسيع صلاحياته، وإعادة تشكيله بممثلين من وزير الأوقاف ونوابه، والقاضي الشرعي الأول، ورئيس اتحاد علماء بلاد الشام، وخمس داعيات نساء، وممثلين عن كلية الشريعة، وممثل عن جامعة بلاد الشام، وممثل عن الشباب، وثلاثين رجل دين من كافة المذاهب الإسلامية.

كما ألغى المرسوم الجديد الفقرة (هـ) من المادة 3 من القانون رقم 31 لعام 2018 الناظم لعمل وزارة الأوقاف، وألغى الفصل التاسع من الباب الثالث المتضمن المادة 35 من القانون المذكور.

وهو ما يعني إلغاء منصب المفتي العام للجمهورية، وإلغاء منصب مفتي المحافظات، وإناطة مهام الإفتاء للمجلس العلمي الفقهي، بحيث يستند في ذلك على الأدلة المعتمدة في الفقه الإسلامي بمذاهبه كافة، ووضع الأسس والمعايير والآليات اللازمة لتنظيمها وضبطها.

والمجلس العلمي الفقهي الذي يترأسه وزير الأوقاف في حكومة النظام عبد الستار السيد كان أُحدث في 2018 وفقا للمادة الخامسة من القانون رقم 31 الخاص بالأوقاف، وبدأ أول اجتماعاته التحضيرية في 20 من نوفمبر/تشرين الثاني 2019، بحضور رجال دين وعلماء من مختلف المذاهب الدينية. علماً أنّ وزارة الأوقاف لم تحدد من هم أعضاء المجلس ولا كم عدد أفراد كل مكون حتى تاريخ إعداد هذا البحث.

وقد جاء في نصّ المرسوم التشريعي: "يشكل في الوزارة مجلس يسمّى "المجلس العلمي الفقهي" على النحو الآتي: الوزير رئيسًا، معاونا الوزير عضوان، رئيس اتحاد علماء بلاد الشام عضوًا، القاضي الشرعي الأول بدمشق عضوًا، ثلاثون عالمًا من كبار العلماء في سورية ممثلين عن المذاهب كافة أعضاء، ممثل عن الأئمة الشباب عضواً، خمس من عالمات القرآن الكريم أعضاءً، ممثل عن جامعة بلاد الشام للعلوم الشرعية عضوًا، مُمثِّلان اثنان عن كليَّات الشريعة في الجامعات الحكومية.

وكان بشار الأسد قد أصدر في العام 2018 المرسوم 16 الخاص بتحديد مهام واختصاصات وزارة الأوقاف التابعة لنظامه، ومن أبرز ما جاء في نص المرسوم تحجيم منصب المفتي العام لسوريا، إذ أصبح يعين وتحدد مهامه واختصاصاته بناءً على مرسوم بعد اقتراح الوزير ولمدة ثلاث سنوات قابلة للتمديد، بعد أن كان يسمى بشكل مباشر من رئيس الجمهورية، إضافة إلى تشكيل مجلس يسمى "المجلس العلمي الفقهي الأعلى" برئاسة الوزير.

وجاء قرار إلغاء منصب المفتي بعد تفسير حسون آية قرآنية منذ أيام، سارع المجلس العلمي الفقهي التابع لوزارة الأوقاف للرد عليه، داعياً إلى "عدم الانجرار وراء التفسيرات الشخصية الغريبة التي لا تسعفها لغةٌ، ولا يقرُّها منطق أو برهان". وتداول ناشطون سوريون، في 9 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي، مقطع فيديو يظهر فيه حسون في مدينة حلب وهو يفسر آيات قرآنية مدعياً أنها تشير إلى سوريا، زاعماً خلال تفسيره آية "ثم رددناه أسفل سافلين" في سورة "التين"، أن المقصود بها من يغادر سورية، وذلك في سياق استهدافه الهاربين من جحيم النظام وحربه الشاملة ضد الشعب السوري. وأثار مقطع الفيديو غضب المجلس الفقهي العلمي في وزارة الأوقاف، الذي أصدر بياناً يتهم فيه حسون بشكل غير مباشر بالغلو والتطرف، معتبراً كذلك أن ما قام به حسون عبارة عن "إقحام للدِّين في إطار إقليمي ضيق".

مع العلم أنّ هذا الرد القاسي يندرج في إطار حالة العداء ومعركة النفوذ بين وزير الأوقاف السوري محمد عبد الستار السيد وأحمد حسون، والتي لم تتوقّف منذ أكثر من عشرين عامًا.

 

ثانياً-أوجه الإنتقاد:

أثار مرسوم رئيس النظام السوري بشار الأسد التشريعي القاضي بإلغاء مقام مفتي الجمهورية السنيّ، وإسناد أمر الفتوى إلى المجلس الفقهي الأعلى وتعزيز دوره وتوسيع صلاحياته، موجة انتقادات وغضب عارمة من بعض السوريين، وخاصة جمهور المعارضة، بسبب ما اعتبروه استهدافاً للمسلمين السنة بالدرجة الأولى، والمجتمع السوري بشكل عام، وتقزيم حضور الغالبية السنية في سوريا إلى حدود عضوية في مجلس من عدة طوائف.

ويمكن تحديد أوجه الإنتقاد للمرسوم بالنقاط التالية:

  • أنّ إلغاء مقام الإفتاء وتحويله إلى مؤسّسة متعددة المرجعيّات الدينية والمذهبية تكون المرجعيّة السنيّة أو المذهب السنيّ هو أحدها ومجرّد عضو فيها؛ يعني أنّ "سنيّة الدولة" كما هو منصوص عليه في القوانين المختلفة لا سيما قانون الأحوال الشخصيّة قد غدت في مهبّ الرّيح، وأنّ هذا المرسوم هو إلغاء تامّ لمرجعيّة المذهب السنيّ في الفتوى وقوانين الوقف وقوانين الأحوال الشخصيّة في سوريا.
  • أنّ هذا المرسوم يمنح "الشرعيّة" للمرجعيّة الشيعيّة لتغدوَ مرجعيّة رسميّة تتحرّك في الواقع السوريّ بقوّة القانون وتحضر في كلّ المحافل الإفتائيّة والقانونيّة بوصفها مرجعيّة رسميّة منصوص عليها في القانون. وتمدّدها هذا يعني التّغلغل في القوانين من جهة، وفي الواقع الاجتماعيّ من خلال الفتاوى التي سيصدرها ممثلو المرجعيّات الناشطون في مختلف المحافظات من جهةٍ أخرى، وهو ما يعد انعكاسٌ للتغوّل الإيرانيّ على المؤسسات الشرعيّة والقانونيّة التي تخضع لمرجعيّة المذهب السنّي.
  • أنّ إسناد مهمّة الإفتاء في سوريا للمذاهب والطوائف المتعدّدة بهذا الشكل لم يحدث منذ بداية دخول الإسلام إلى سوريا إلى اليوم، فسوريا للمرّة الأولى في تاريخها منذ الاستقلال من دون منصب الإفتاء لكيانها ومحافظاتها ومدنها. وعليه اعتبر المنتقدون أنّ القرار هو إعلان رسميّ أنّ السنّة في سوريا لم يعودوا هم الأكثريّة بل هم مجرّد طائفة من الطوائف الأخرى سواءً بسواء.
  • أنّ إلغاء منصب المفتي وإسناد صلاحياته إلى وزارة الأوقاف، ينتزع من الإفتاء حمولته الدينية الروحية، ويجعل من مواضيعه قضايا تنفيذية إدارية خاضعة للسلطة السياسية التي يرأسها وزير.
  • أنّ المرسوم أدخل القاضي الشرعي إلى المجلس الفقهي، ما يعني وقوعه تحت سطوة السلطة التنفيذية، معنى ذلك أن المجال بات مفتوحاً لتغيير كل القوانين المعمول بها المتعلقة بالأسرة والأحوال الشخصية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يعتقد المنتقدون للقرار أنّ "المجلس العلمي الفقهي" يأخذ أحد أهمّ أدوار القاضي الشرعي؛ إذ ينصّ المرسوم التشريعي في بيان مهامّ المجلس على: "تحديد مواعيد بدايات ونهايات الأشهر القمرية والتماس الأهلّة وإثباتها وإعلان ما يترتّب على ذلك من أحكام فقهيّة متصلة بالعبادات والشّعائر الدّينية الإسلاميّة، الأمر الذي يقودنا إلى الخلاف الجذري في منهجيّة إثبات الأهلّة لا سيما هلال رمضان وهلال شوّال بين المرجعيات السنيّة والشّيعيّة.
  • إن إلغاء موقع المفتي لا يقتصر على إسقاط المرجعية الفقهية للمسلمين في سورية فحسب، بل يتعداّه الى إحداث تغيير جذري في الثقافة والفكر والفقه من خلال إفساح المجال للغزاة الإيرانيين في زرع المفاهيم المغلوطة وتغيير المناهج، وتخريب التعليم، وهو ما ينفّذ فعلا من خلال الجامعات والمدارس الإيرانية التي تعم المدن السورية الآن ، ومن خلال إشراك هذه المرجعيات في السلطات الثلاث في سورية، مما يمكنها من المشاركة في البرلمان والقضاء والحكم، وإحداث تغيير جذري في القوانين والتشريعات، وقوانين القضاء.
  • أن هذه الخطوة هي استكمال لعملية محو هويّة المجتمع بعد التغيير الديمغرافي الذي جرى على قدم وساق خلال السّنوات العشر الأخيرة.

ثالثاً-دلالات القرار:

دون شك فإنّ قرار النظام له تداعيات ودلالات جوهرية بعيدة المدى تستدعي منّا التوقّف مليًّا مع تفاصيل المرسوم بعيدًا عن التفسيرات العاطفيّة أو الاختزالات الضيّقة:

  • قرأ الكثيرون الحدث على انه انتصار لوزير الأوقاف على مفتي الجمهورية، إلا أنّ الواقع يشير إلى أنّ أحمد حسّون الذي بدأت رحلة تهميشه منذ أكثر من ثلاث سنوات ليسَ بحاجةٍ إلى مرسوم بإلغاء منصب المفتي لعزله؛ فهو أقل من ذلك بكثير، فليسَ له قاعدة شعبية ولا حضور ذو طبيعة مرجعيّة في الشّارع السّوريّ، كما أنّه ليس شيخ جماعة يمكن لها أن تُحدث أيّ نوع من الاضطراب في حال عزله، لذا فإنّ المسألة أبعد من الاعتبارات الشخصية؛ إذ إنها تتناول منصب الإفتاء وهيكلته ووظائفه.
  • يمكن وضع الحدث في سياق شبيه بالإجراءات الأتاتوركية التي تقصّدت علمنة الدولة التركية بالقوة، لولا الفارق بين شخص بشار الأسد الذي يستغل الدين والعلمانية على حد سواء لتحقيق مكاسب ضيقة، وشخص كمال أتاتورك الذي عمل لمصلحة وطنه. يضاف إلى ذلك، العامل الإيراني الذي لا يخفي نفسه في المشهد السوري، والذي حرص على تطبيق برنامج للتشييع الممنهج تم تطبيقه في كافة الأراضي السورية التي وصلت إليها ميليشيات إيران.
  • بتجرّد وموضوعية، يمكن القول إنّ خطوة النظام في إلغاء مقام الإفتاء هي خطوة ذكيّة يحاول من خلالها القول بأنه وطني وغير إقصائي وغير طائفي كما تدّعي معارضته. فإسناد مهمّة الإفتاء في سوريا للمذاهب والطوائف المتعدِّدة بهذا الشكل هو سابقة، وهو إعلان رسمي من النظام على أنَّ السنّة في سوريا لم يعودوا هم الأكثرية، بل هم مجرَّد مذهب من المذاهب الأخرى المتساوية فيما بينها، وبالتالي فالحالة السياسية في سوريا ليست أنَّه نظام أقلَّوي يحكم أكثرية، وإنَّما هو نظام علماني يحكم مجتمعاً متعدِّدَ الطوائف والمذاهب. وفي هذا نصر جديد للنظام في تقديم صورة يرغب المجتمع الدولي في رؤيتها.
  • قد تختلف أجندة النظام وروسيا في هذا التعديل عن أجندة إيران، فبينما يريد النظام إلغاء الصبغة السنيَّة وترسيخ فكرة المجتمع المتعدِّد، تسعى إيران إلى التغوُّل وإصباغ المشهد الديني باللون الشيعي القاتم، وهذه الأجندة الإيرانية كان حسون جزءاً منها، فيما أجندة النظام الأولى تمثلها اليوم وزارة الأوقاف في حكومة النظام، ولا تعارُضَ في ذلك؛ حيث المجلس العلمي الفقهي يوفِّر الدور المُرضِي للمرجعيات الإيرانية، لكن بشكل مؤسَّساتي ومتوازن يناسب أيضاً باقي الأطراف المحليَّة وفي مقدمتهم العلويين والدروز، والخارجيَّة وأهمُّهم روسيا.
  • إنّ إشراك المرجعيات المرتبطة بإيران في وزارة الأوقاف يعني إشراكها في إدارة واستثمار ونهب والاستيلاء على أموال وأملاك الأوقاف الإسلامية في سوريا؛ هذه الأوقاف التي تعتبر ثروة وطنية هائلة تمتد من عهد الخلفاء حتى اليوم.
  • إنّ إلغاء منصب المفتي جزء من ترتيبات النظام لما بعد الثورة والنصر الذي تحقق من وجهة نظره ونظر حلفائه، خصوصًا الإيرانيين الذي يدين لهم بفضل بقائه، ما قد يؤدي إلى تحوّل نوعي على مستوى الخريطة المذهبية والطائفية في سوريا بعد الثورة.
  • إنّ المجلس الفقهي الجديد لا يشبه منصب المفتي في شيء، فقد كان منصب المفتي شرفيًا رمزيًا، أمّا هذا المجلس اليوم فهو مجلس حقيقي يمتلك سلطات قانونية مرعبة.

 

قراءة في قرار المجلس تعيين الرفاعي مفتياً لسوريا

أولاً- فحوى القرار:

بعد 4 أيام من إعلان بشار الأسد إلغاء منصب مفتي الجمهورية وما أثاره القرار من إثارة للجدل، خرج مساء السبت 20 نوفمبر المجلس الإسلامي السوري المعارض ومقره إسطنبول ببيان أعلن فيه انتخاب الشيخ أسامة الرفاعي مفتيًا عامًا للجمهورية العربية السورية، في رد منه على قرارات النظام الأخيرة.

وأعلن المتحدث باسم "المجلس الإسلامي السوري" مطيع البطين أن المجلس "باعتباره المرجعية الممثلة للعلم والعلماء انتخب بالإجماع الشيخ العلامة أسامة عبد الكريم الرفاعي مفتيًا عامًا للجمهورية العربية السورية"، ودعا البطين، في بيان مصور، السوريين إلى الالتفاف حول "مرجعيتهم الدينية الموحدة"، مشيرًا إلى أن الرفاعي سيلقي كلمةً جامعةً خلال أيام.

الجدير بالذكر أن المجلس الإسلامي السوري هو مؤسسة إسلامية تجمع بين العلماء والدعاة السوريين المعارضين لحكم بشار الأسد وتضم عدة روابط ولجان، ويعرف المجلس نفسه على موقعه: "مع بداية الثورة السورية المباركة تشكلت في الداخل السوري الهيئات والروابط الشرعية لتسد الفراغ الحاصل من غياب مؤسسات الدولة وانحسارها في المناطق المحررة، على صعيد آخر شهد عام 2011 مبادرات لإيجاد كيان جامع موحد من قبل العلماء والروابط التي أجبرها النظام على الاغتراب.. وعلى خطى التوحيد، اجتمع نحو 40 رابطة وهيئة شرعية في منتصف نيسان 2014، ليعلنوا تأسيس المجلس الإسلامي السوري، الذي ضم العلماء والهيئات الشرعية والروابط العلمية السورية، ليكون قرارًا مشتركًا يعبر عن إرادة موحدة لرموز المدارس الفكرية الإسلامية المعتدلة في سوريا".

أما عن هوية المجلس فهو "هيئة مرجعية شرعية وسطية سورية، تسعى إلى جمع كلمة العلماء والدعاة وممثلي الكيانات الشرعية، وتوجيه الشعب السوري، وإيجاد الحلول الشرعية لمشكلاته وقضاياه، والحفاظ على هويته ومسار ثورته"، ويهدف المجلس إلى "حشد الدعم للثورة السورية، والتعاون على ترشيدها، والحفاظ على مكتسباتها، إضافةً إلى توحيد الفتوى الشرعية في الأمور العامة وإصلاح الشأن الديني وتعزيز القواسم المشتركة وإبراز جوانب الاتفاق واحتواء الخلافات".

وتضاف إلى الأهداف أيضًا "السعي لتطبيق أحكام الشريعة، وصونها من العبث، ومناهضة الغلو والتفريط، وتوحيد الرؤى وتنسيق المواقف والجهود تجاه النوازل والقضايا الكبرى والمحافظة على وحدة الدولة السورية، وترسيخ هويتها الإسلامية".

 

من هو أسامة الرفاعي؟:

أحد رموز المشيخة السورية التقليدية، ولد في دمشق عام 1944، وتخرج من جامعة دمشق ودرس اللغة العربية وعلومها في كلية الآداب قسم اللغة العربية، وتخرج منها عام 1971، وأصبح خطيبا في جامع الشيخ عبد الكريم الرفاعي (نسبة لوالده) في دمشق. ومع حملة حافظ الأسد ضد الإخوان المسلمين في سوريا، أجبر الشيخ أسامة الرفاعي على الخروج إلى المملكة العربية السعودية عام 1981.

وينتمي الشيخ أسامة إلى "جماعة زيد" الصوفية، والتي كانت بزعامة والده العلامة الراحل عبد الكريم الرفاعي (1901-1973) ظهرت في أربعينيات القرن الماضي، حيث سميت بهذا الاسم نسبة إلى جامع زيد بن ثابت الأنصاري في العاصمة السورية دمشق.

وعند انطلاق الثورة السورية في مارس/آذار 2011، تحول مسجد عبد الكريم الرفاعي الذي يخطب ويقدم فيه الدروس الشيخ أسامة إلى نقطة الاحتجاج الأساسية داخل العاصمة دمشق.

ترأس الرفاعي "المجلس الإسلامي السوري" منذ تأسيسه في إسطنبول عام 2014 وهو مقيم في تركيا منذ سنوات.

أثار الرفاعي، جدلا واسعا في عدة مناسبات بسبب ما وصف بـ "أطروحات تقليدية مغلقة"، منها مثلاً حين ألقى خطبة قبل أشهر في أحد مساجد مدينة اعزاز بريف مدينة حلب، وفيها هاجم منظمات المجتمع المدني ووصف نساء يعملن فيها بأنهن "مجندات من الأمم المتحدة والغرب". وقبل ذلك بسنوات، تحدث المعارض الراحل ميشيل كيلو عن محاولة من الرفاعي لدعوته إلى الإسلام، رغم أن كيلو كان أحد صقور العلمانية السورية حتى وفاته. كما حلّل الرفاعي قتال قوات سوريا الديمقراطية واعتبر قتالهم "جهاداً في سبيل الله"، وجاء ذلك في فتوى وقع عليها أسامة الرفاعي وعدد آخر من الشيوخ يوم الاثنين 10 جمادى الآخر 1439 ه الموافق ل 26 شباط فبراير 2018

 

أوجه الإنتقاد لقرار المجلس الإسلامي السوري:

كما أنّ إلغاء النظام السوري لمقام الإفتاء أثار انتقادات واسعة، فإنّ "انتخاب" الرفاعي أثار أيضاً ردود فعل متباينة، ركز المنتقدون فيها على النقاط التالية:

  • بدأت الدعوة لتعيين مفتٍ للسوريين بشكل مفاجئ من خلال "مجموعة من الناشطين" وجّهت رسالة إلى "المجلس الإسلامي السوري" تدعوه فيها إلى تولي تعيين مفتٍ لسوريا، وقُدّمت بعد صلاة الجمعة الماضية (19 نوفمبر)، وثمة دلائل عديدة تشير إلى ترتيب هذا من داخل المجلس نفسه، أبرز هذه القرائن هي: أن الجهة الداعية على علم بتوقيت انعقاد اجتماعات مجلس أمناء "المجلس الإسلامي السوري"، وخاطبتهم مباشرة بشكل متزامن مع الاجتماع. وثانيها سرعة تنفيذ الاقتراح؛ فقد قُدّم بعد صلاة الجمعة، وانتهت عملية الانتخاب والتعيين والتبريكات مساء السبت (20 نوفمبر)، وكان قد أغلق باب التوقيعات مساء يوم الجمعة نفسه. أما ثالث الدلائل فهي ردود الفعل المرحبة والمباركة بعد صدور القرار مباشرة، من قبل الحكومة السورية المؤقتة، وجماعة الإخوان المسلمين، وهيئة الشام الإسلامية، وتجمع طلاب العلم لمحافظة حمص، وهيئة علماء فلسطين وغيرها من المؤسسات الممثلة في المجلس الإسلامي السوري.
  • ليس للشيخ الرفاعي مكانة فقهية بالمعنى التخصصي للكلمة، فهو خريج أدب عربي، ولم يعرف داخل الأوساط الأكاديمية والعلمية التقليدية بأي إسهام فقهي على طريقة الفقهاء المعروفين.
  • آلية الانتخاب من مجلس أمناء المجلس السوري تحديدًا. أي أنها صادرة عن مجموعة محدودة قامت على توافقات وتعيينات محددة لا على معايير شفافة وتمثيلية لعموم أهل العلم من السوريين أو مختلف المدارس الفقهية.
  • ربطاً بما سبق، يرى منتقدون للقرار- من ضمنهم إسلاميون- أنّ انتخاب الرفاعي كان مسرحية مزيفة، واّنه كان الأجدى "تقنياً" أن يتم الإعلان عن هيئة تتقدم المشهد علانية بأسماء كبيرة معروفة، وبتفويض من عدد من الهيئات المعتبرة إسلامياً فتختار قائمة ناخبين معلنة تضم رجال دين وفقهاء ودعاة، من حملة الإجازة في الشريعة من الذين امضوا سنوات على المنابر وفيهم حفظة القرآن والقضاة الشرعيون وأساتذة الجامعات الإسلامية والمعاهد الشرعية، وأن يتم إعلان الهيئة الناخبة شهرين، وفيها أهل المحافظة وهم الأغلبية، ولا يستثنى منها أهل التجديد ولو كانوا أقلية، ويتم فيها قبول الطعون، ثم يتم إقرار الهيئة الناخبة، وتحصل على تزكية عدد من الجامعات الإسلامية، ثم يحدد يوم للانتخاب المفتي.
  • تساءل البعض عن المصلحة العامة من وجود مفتٍ لا يستطيع أن يزور أي بلد عربي، إلا الجزء السوري الذي تديره تركيا تحديداً، ولم تستشر في "انتخابه" رابطة العالم الإسلامي ولا مجلس التعاون الإسلامي ولا الأزهر ولا مجمع الفقه الاسلامي ولا مجمع البحوث الاسلامية ولا أي جامعة إسلامية لها اعتبار. وتساءل آخرون عن مدى التزام الفصائل بفتاوى الرفاعي، وإن كان المفتي سيبقى في تركيا بعيدا آلاف الكيلو مترات عن أرض الإفتاء.
  • هناك شكوك حول إمكانية تمتّع الرفاعي فعليًّا باستقلالية علمية وسياسية، وبأن لا يكون أسيرًا لأجندات تركيا أو جماعة الإخوان أو جملة مواءمات بين مكونات المجلس السوري الذي شهد أخيرًا توترًا داخليًّا نتيجة الخلاف بين أعضائه حول الموقف من عزم السلطات التركية ترحيل بعض السوريين، وبأن يكون أكثر انفتاحًا ومجاراة لتطلعات الأجيال الشابة الجديدة وأكثر صلة بالواقع.


دلالات قرار المجلس الإسلامي السوري:

يمكن تحديدها بالنقاط التالية:

  • المجلس الإسلامي ذراع مشيخي وشرعي للإخوان المسلمين؛ وليس ممثلاً للسوريين، وهو قام أساساً على أساس سنّي يحاكي المجالس الشيعية اللبنانية والعراقية التي تقوم بأدوار سياسية ودينية واجتماعية، الأمر الذي يغذي النزعة الطائفية في سوريا من جديد.
  • انتهزت المعارضة (الدينية) الفرصة لملء الفراغ الذي خلّفه المرسوم الجمهوري الجديد، وهي في النهاية استعادة سياسية رمزية الطابع مدفوعة من قبل جماعة الإخوان المسلمين التي حضر بعض قياداتها حفل "انتخاب" الرفاعي.
  • يمكن القول إنّ الخطوة هي رد فعل عاطفي انفعالي طائفي خاطئ لا يخدم القضية السورية في شيء. ومن المعتقد أن يترتب عن هذه الخطوة تأطير خطاب المعارضة في أطر ضيقة وإعادة اجترار الخطابات الطائفية التي شهدتها سوريا في السنوات الأولى للثورة، وكانت من أهم أسباب فشل الثورة.
  • ربطاً بالنقطة السابقة، تعزز الخطوة فكرة الانقسام الطائفي في سوريا، والطامة الكبرى أن "المجلس العلمي الفقهي" يقدم نفسه على أنه "تعدّدي وتنوعي" أما المجلس السوري فيقدم نفسه على أنه "سنّي"، الأمر الذي يخدم النظام ولا يخدم المعارضة أو القضية السورية في شيء.

قد تستغل تركيا منصب الإفتاء الذي بات في قبضة المعارضة لشيطنة أعداءها وتطويع الدين بما يحقّق مصالحها، خاصة وأن لها سوابق في ذلك، كمفتي ليبيا المعزول الصادق الغرياني، المعروف بفتاواه المتطرفة التي كان يصدرها على مقاس المحور التركي القطري. 

 

يمكن القول إنّ النظام السوري حقق نجاحاً جديداً في تسويق علمانيته المزعومة، مقابل مزيد من غرق المعارضة "التقليدية" في أتون الطائفية المقيتة.

ورغم نجاح النظام في "تأميم الدين" وإنتاج مايمكن وصفه بالقيادة القطرية الدينية الجديدة التي تسمع وتطيع، إلا أنّ المشهد العام يبدو قاتماً وتأثيرات صراع "الإفتاء" المستقبلية ستكون سلبية داخل سوريا وعلى صورة ورمزيات الخطاب الديني السوري عامة الذي سيكون منقسمًا بين فتاوى وصياغات دينية وشعائرية مختلفة ومتناقضة قد تقود إلى ظهور أنماط جديدة من التدين.

سوريا اليوم بكافة جغرافيتها المقسّمة تحتاج لفصل الدين عن السياسة، وحضور ثقافة المواطنة المتساوية التي لا يعترف بها رجال الدين من غالب الأطراف.

 

دراسة صادرة عن موقع أشكرة

التعليقات

يرجى ادخال الاسم

يرجى ادخال الايميل

يرجى ادخال التعليق

تم اضافة التعليق مسبقاً

تم الارسال بنجاح

اترك تعليقاً