الشتات الجديد: تركيا تطرد الإخوان.. إلى أين المفر؟

محور الشر

الشتات الجديد: تركيا تطرد الإخوان.. إلى أين المفر؟

تزداد أوضاع جماعة الإخوان المسلمين الهاربين في تركيا سوءاً يوماً بعد يوم؛ فبعد ما شهده التنظيم من انشقاقات وصراعات وتراشق إعلامي وتفكك إلى جبهتين الأولى تتبع محمود حسين المقيم في اسطنبول والثانية توالي إبراهيم منير المقيم في لندن، ها هم اليوم يعيشون فصلاً جديداً من فصول مأساتهم المتكررة، بعد تواتر أنباء أنّ السلطات التركية طلبت من القيادات الإخوانية بضرورة ترحيل شخصيات بعينها وإلا سيتم تسليم المطلوبين من الإنتربول الدولي من الإخوان المسلمين المدانين بأعمال عنف، وأدرك الإخوان ضرورة الرحيل؛ إذ إنّ أنقرة لم تعد الوجهة الآمنة للجماعة، فحزم قرابة المئة شخصية أمتعتهم ورحلوا مع أسرهم إلى دولة آسيوية، رحيل أقرب إلى الطرد، يصفه البعض بالشتات الإخواني.

لم يكن الإخوان المصريين فقط المطرودين من تركيا؛ بل حسب  فإنّ حكومة العدالة والتنمية، برئاسة رجب طيب أردوغان، أمرت الناشطة الحائزة على جائزة نوبل، توكل كرمان، وأعضاء حزب الإصلاح اليمني، التابع للجماعة، المقيمين في تركيا، بمغادرة أراضيها، في غضون 30 يوماً.

تتعدد الأسباب الحقيقية لتغير سياسة تركيا مع الجماعة، فربما تعود لفشل الإخوان في تحقيق الدور الوظيفي لها، أو لأنهم استنفدوا الغرض الذي من أجله تم استضافتهم في تركيا، أو لتفاقم مشاكلهم حيث تجاوز البعض شروط الإقامة وأخلوا بالاتفاق الضمني بالابتعاد عن المجتمع التركي، أو لمماطلتهم السلطات التركية بوجود سقف زمني لتوفيق أوضاعهم، في كل الإحوال تحتم على الإخوان مغادرة تركيا.

حسب ما أوردت شبكة سكاي نيوز عربية" فإنّ العشرات من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين من المصريين بتركيا تركوها هاربين، ففي خلال الأيام القليلة الماضية تم رصد مغادرة أعداد كبيرة بعضهم رفقة أسرته، متجهين إلى دول مختلفة شرق آسيا قَبِلت استضافتهم.

لا يوجد حصر دقيق بأعداد الإخوان في تركيا، وحسب تقديرات خبراء دوليين يرجح أنّ أعدادهم تقترب من العشرين ألف عنصر، بينهم مئات من القيادات الوسيطة، ويعاني أغلبهم من سوء الأوضاع الاقتصادية وتخلّي التنظيم عنهم، فضلاً عن انتهاء صلاحية جوازات سفرهم، لذا سيسافرون عبر وثيقة السفر، مما يجعل الدول المتاحة لاستقبالهم محدودة.

يرى الكاتب والباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، الدكتور عمرو عبد المنعم، أنّ "خروج الإخوان جاء نتيجة مباشرة لفشلهم وتخبطهم  في المرحلة السابقة، خاصة وأنّ الأتراك شعروا أنّ الإخوان أصبحوا عبئاً كبيراً عليهم"، مؤكداً  أنّ "هروب الإخوان من تركيا لم يكن مفاجئاً بل متوقع وطبيعي، فقد بدأت رحلة الهروب قبل أشهر من الآن، عندما فشل التنظيم في القيام بدوره الوظيفي المخطط له من قبل تركيا، ومع تزايد خلافات الإخوان بعضهم البعض، أدرك صغار الإخوان أنّه من الممكن التضحية بهم في أي وقت، لهذا غادر مجموعات منهم قبل عدة أشهر إلى دول مختلفة".  

 

وأضاف أنّ "التقارب المصري التركي لم يعد هو السبب الوحيد لضغط السلطات التركية على الإخوان ومطالباتهم بمغادرة الأراضي التركية، بل يعود بالأساس لحالة التخبط والفشل والتمزق التنظيمي الذي تعاني منه الجماعة الآن، فضلاً عن قيام شخصيات قريبة من حزب العدالة والتنمية بتقييم تجربة الإخوان، وأثبتوا من خلالها فشلهم الذريع في إدارة مواقفهم، وأنّهم لا يصلحون لأن يقدموا استشاراتهم ونصائحهم للدولة التركية، في اختيار طريقة التعامل مع مصر ودول المواجهة مع الإرهاب". ويشير عبدالمنعم هنا للحديث المنسوب إلى عمر الفاروق قرقماز مستشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أنه انتقد الإخوان قائلاً: "إنكم فشلتم في مصر، انصحوا أنفسكم أولاً،  فنحن لسنا في حاجة لنصائحكم".

يتابع عبدالمنعم حديثه: الإخوان الهاربون بتركيا تتجاوز أعدادهم العشرة آلاف، وقرابة الثلاثة آلاف منهم منخرطون بالفعل في أعمال التنظيم ويديرون الجماعة، وقرابة الألف يعملون في مجال الإعلام، والباقي يعملون في مهن بسيطة من أجل الحصول على لقمة العيش. وبالفعل قام الإخوان بنقل منصاتهم الإعلامية خارج تركيا والعمل على إيجاد دولة تستقبلهم بدءاً من أشهر مضت".

 ويستكمل الكاتب والباحث في شؤون الحركات الاسلامية: "الوضع القانوني للإخوان في تركيا أصبح صعباً، وهناك شحصيات منهم متورطة في أعمال عنف في الدولة المصرية انطلاقاً من تركيا، وصدرت بحقهم أحكام إعدام وأحكام بالسجن بمدد طويلة، وهؤلاء على قائمة المطلوبين في نشرة الإنتربول، وفي حال ثبت أنّهم استخدموا الأراضي التركية لإدارة أعمال إرهابية أو جرائم قتل سيكون موقف تركيا سيئاً أمام الناخب التركي والمعارضة وأمام دول العالم".

وأضاف: ليس فقط أعمال عنف في مصر، بل منهم عناصر متورطة في أعمال إرهاب في سوريا مع داعش وغيرها من الفصائل  في سوريا والعراق، هذا الوضع دفع السلطات التركية إلى اتخاذ موقف أكثر حزماً مع الجماعة، وذلك بوضع سقف زمني لرحيل بعضهم، وإلا سيسلمون المطلوبين للعدالة الدولية إن عاجلاً أو آجلاً".

ويوضح عبد المنعم: أمام الإخوان في تركيا ثلاثة سيناريوهات؛ الأول البقاء والتأقلم مع الحياة التركية والابتعاد عن العمل التنظيمي والسياسي تماماً، وهذا السيناريو لا يصلح إلا لفئات قليلة مما ليس عليهم أحكام قضائية ولديهم فرصة للحصول على إقامة في تركيا، أما السيناريو الثاني  هو الحصول على الجنسية التركية، وهذه لم تعد متاحة إلا لعدد ضئيل من الشخصيات الإخوانية ووفق شروط بعينها، أما السيناريو الثالث فهو الرحيل والخروج متسللين.

ويرى عبدالمنعم أنّ "المتاح للإخوان ثلاث وجهات؛ الأولى كندا لمن يملك القدرة على التأقلم مع الحياة هناك، والثانية هولندا حيث يوجد جالية عربية وإخوانية قادرة على احتواء الفارين والهاربين هناك، والثالثة إلى دول في الجنوب الأفريقي حيث تسهل الحركة ولعدم وجود رقابة دولية كثيفة على أنشطة الجماعة وفي الوقت نفسه لا توجد اتفاقيات أمنية مع مصر".

أما الكاتب والباحث في الإسلام السياسي، الدكتور ثروت الخرباوي، فيرى أنّ "الأحداث الأخيرة التي مرت سواء الصراع بين القيادات أو فشل مهمتهم في تركيا كشفت حقيقة الجماعة وسقوط أقنعتهم التي يتخفون وراءها"

 و أكد أنّ "ما حدث للإخوان ليس هروباً بل طرد مخزٍ، وهذا الخزي والذلة قدر كل من يخون وطنه ويعمل لصالح الآخرين، وإنّ الإخوان المطرودين سيستمرون في التنقل من دولة إلى أخرى على أمل العودة إلى أرض الميعاد وهي "مصر" لأنّها في اعتقادهم هي أرض التمكين"، موضحاً أنّ "معاناة الإخوان في تركيا كانت كفيلة لتدفعهم إلى مراجعة أنفسهم وضمائرهم حول صوابية قراراتهم وقرارات قياداتهم، على وجه الخصوص بعد أن تم كشف دورهم المشين في تخريب أوطانهم، وأن يتوقفوا عن المزيد من السقوط والخيانة".

لكن الإخوان، حسب الخرباوي، "لن يراجعوا أنفسهم، ولن يعترفوا بإخطائهم، ولا بخياناتهم ولن يندموا ولن يطلبوا من الله المغفرة، فتربية العناصر الإخوانية تم في الأسر( الخلية التنظيمية) على المظلومية، وعلى أنّهم جيل النصر المنشود، وأنّهم ورثة رسول الله، كل هذه المعاني الزائفة تقف حائلاً أمام أي محاولة للمراجعة أو الاعتراف بالخطأ".

ويتابع الخرباوي أنّ "الإخوان في تركيا ظنوا أنّهم قادرون على قيادة المنطقة، ولم يدركوا أنّهم مجرد أداة للمشروع التركي الأمريكي، وأنّه فور الانتهاء من مهمتهم سواء بالنجاح أو الفشل فلن يسمح لهم بالقيادة أو السيادة، فلا أحد يحترم من يخون وطنه، إنّ عناصر الإخوان الذين صدر بحقهم أحكام قضائية سيلاحقون ويحاسبون على جرائمهم في حق الوطن وهي جرائم لا تسقط بالتقادم ولا تنتهي بانقضاء المدة".

ويؤكد الخرباوي أنّ "وجهة الإخوان هذه المرة إلى عدة دول وليس دولة واحدة، ومن المحتمل أنّ البعض من رجال الأعمال الإخوان رحلوا إلى لبنان في الفترة السابقة لدراسة انتقال رؤوس الأموال إلى دول أخرى"، كاشفاً أنّ "هناك مواصفات في الدول التي سيرحلون إليها، منها أن تقبل استقبالهم بوثيقة سفر، وأن تقبل منحهم اللجوء الإنساني أو السياسي، وأن تتغاضى عن ارتباطهم بالتنظيم الدولي للإخوان، وأن تصلح للاستثمار الاقتصادي فيها، وأن يغلب على سكانها الدين الإسلامي، هذه المواصفات فرضتها طبيعة عمل الإخوان في المرحلة القادمة، والدول المرشحة ماليزيا وأندونيسيا والفلبين في جنوب آسيا، ومن المحتمل بعض الدول في وسط آسيا مثل كازاخستان أو أوزبكستان كمحطة ترانزيت وليست كمقر استقرار".

التعليقات

يرجى ادخال الاسم

يرجى ادخال الايميل

يرجى ادخال التعليق

تم اضافة التعليق مسبقاً

تم الارسال بنجاح

اترك تعليقاً