الرهان السوري ـ الإيراني و«العقدة» الروسية

وجهة نظر

الرهان السوري ـ الإيراني و«العقدة» الروسية

كان رهان إيران أن انشغال روسيا في أوكرانيا سيسمح لها بـ«الاستفراد» في سوريا، أو على الأقل بـمناطق حليفها الرسمي. أما رهان دمشق فكان أن انشغال موسكو بالوصول إلى كييف سيعطيها هامشاً أوسع مع طهران؛ أي حضن حليف على حساب آخر.

مؤشرات ذلك كانت واضحة؛ إذ ما إن انطلقت شرارة الحرب الأوكرانية، بعد أيام من زيارة وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو «قاعدة حميميم»، حتى توجه مدير الأمن الوطني السوري علي مملوك إلى طهران، واستقبلت دمشق نائب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. هناك الكلام في الأمن والعسكر والاقتصاد، وهنا الحديث بالدبلوماسية.

زيارة شويغو عكست بوضوح أن موسكو باتت تنظر إلى سوريا وقاعدة حميميم ضمن استراتيجيتها الدولية وطموحاتها في أوكرانيا. ولم تمانع دمشق في ذلك، بل إنها قدمت كل الدعم الخطابي لحرب «روسيا الأم» في «روسيا الصغرى». لكن «مشكلة» دمشق في ذلك أن روسيا ستكون مشغولة عسكرياً في الفترة المقبلة، كما أنها ستكون عاجزة اقتصادياً، وستكون عرضة لعقوبات قاسية، في وقت فيه دمشق و«حلقتها الضيقة» في أمسّ الحاجة لبعض الأكسجين إلى مناطقها.

في هذه اللحظة؛ موسكو في حاجة لإرضاء خصمي دمشق: أنقرة، التي تتحكم في بعض «مفاتيح» الحرب الأوكرانية و«مسيّراتها» ومعابرها البحرية إلى سواحلها الجنوبية. وتل أبيب، التي تملك «مفاتيح» في البيت الأبيض و«مفاتيح» القلب عند «قيصر» الكرملين.

أما واشنطن وحلفاؤها؛ فقد يختارون المسرح السوري لتوجيه اللكمات والرسائل إلى روسيا؛ سواء عبر رفع العقوبات عن «مناطق خارجة عن سيطرة النظام»، وعبر تعزيز الوجود العسكري شرق الفرات ومد خطوطه؛ من قاعدة التنف نحو ريفي السويداء ودرعا، وعرقلة جهود التطبيع التي كانت تقوم بها دول عربية إرضاء لموسكو و«القيصر» العائد إلى الشرق الأوسط.

أمام كل منعطف أو انهيار، تتجه دمشق شرقاً إلى ما وراء حدود العراق، أو تأتي طهران إلى دمشق، حلقة الوصل بين أمصارها المتسعة. كان هذا هدف زيارة مملوك الذي التقى القادة السياسيين والعسكريين في الرئاسة و«الحرس» والدفاع. القراءة كانت أن إيران ستكون راغبة وقادرة على «ملء الفراغ». فالاتفاق النووي سيوقع، والعقوبات سترفع، والنفط سيتدفق، حتى إن واشنطن مستعدة لتحرير بعض وكلاء إيران من قائمة الإرهاب. كانت هذه أخباراً جيدة لدمشق، بحيث تساهم طهران الجديدة في حل المشكلات الاقتصادية وتوفير مشتقات نفطية وبضائع وتساهم في الإعمار الانتقائي و«الهندسة الاجتماعية».

كما سايرت طهران حليفها في دمشق؛ بأن «انتقمت» لقتلاها في «الحرس» بغارات إسرائيلية في سوريا، بقصف مباشر على «قاعدة إسرائيلية» في كردستان العراق، وليس في سوريا أو ضد مصالح أميركية فيها.

رهان الحليفين أن انكفاء أميركا من الشرق الأوسط، وانشغال روسيا في شرق أوروبا، وإعفاء إيران من قيود العقوبات، ستعطي المجال لمحور طهران - بغداد - دمشق - بيروت بالتمدد والتوغل والزعزعة. ما عكر هذه التصورات موقتاً لم يأتِ من واشنطن أو من تل أبيب، بل «عقدة» من موسكو، الوسيط الدائم بين إيران وأميركا... فمسودة «الاتفاق النووي» بين إيران والدول الغربية جاهزة. ولم يكن تأخر التوقيع بسبب اعتراضات أميركية أو إسرائيلية؛ بل بعد رسالة روسية: موسكو تريد ضمانات بألا يتأثر التعاون التجاري بينها وبين طهران بعد فرض الدول الغربية عقوبات على موسكو و«نخبتها» بسبب حرب أوكرانيا. الجديد أن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قال بعد لقائه نظيره الإيراني حسين أمير عبد اللهيان، إن أميركا ربطت ملحقاً بمسودة الاتفاق أن العقوبات لن تؤثر على التعاون النووي.

خلال السنوات الماضية، كان هناك فصل بين الملفات. العزل كان رسمياً، وإن كانت التبادلية قائمة في المسارات السرية الموازية؛ فأميركا وروسيا، كانتا تتعاونان دبلوماسياً في مفاوضات «النووي»، وتنسقان عسكرياً شمال شرقي سوريا، وإنسانياً عبر حدودها، وتصطدمان دبلوماسياً إزاء ضم القرم أو العلاقات الثنائية. لكن؛ يبدو أن هناك ملامح روسية لتشابك بين الملفين «النووي» و«الأوكراني»، قاومتها واشنطن. وهناك إشارات تشي بأن واشنطن وعواصم غربية تربط بين ملفي «المستنقعَين» السوري والأوكراني. وعلى الأقل، الخطاب الغربي يجاهر بوضوح بأن وسائل الحرب الجديدة شمال البحر الأسود، هي «استنساخ» للتجارب شرق المتوسط. في الأشهر الماضية، كان الانطباع أن روسيا تقود المشهد السوري: سعت إلى إعادة دمشق إلى «الحضن العربي»، وتوسطت بين عواصم عربية ودمشق، وقادت تسويات في جنوب سوريا قرب الأردن، وضمنت أمن إسرائيل من «الجبهة الجنوبية» في الجولان، وسيطرت على ميناء اللاذقية، بل أخذته من إيران... بدا كأن روسيا تُقلم أظافر إيران في سوريا.

فجأة؛ انفجرت الحرب على أوكرانيا. كانت نقطة انعطاف في أمور كثيرة؛ لا شك في أن سوريا بينها. لكن هذه الانعطافة الجديدة لن تكون الأخيرة، كما عودتنا سوريا في آخر 11 سنة. دمشق تنحاز عملياً لطهران، وتبقى كلامياً مع موسكو. والمرحلة المقبلة ستكشف عن منعكسات هذا، وربط أميركا وغيرها بين ملفين ودولتين وشعبين: أوكرانيا الشرق أوروبية، وسوريا الشرق أوسطية.

 

المصدر : صحيفة الشرق الاوسط

التعليقات

يرجى ادخال الاسم

يرجى ادخال الايميل

يرجى ادخال التعليق

تم اضافة التعليق مسبقاً

تم الارسال بنجاح

اترك تعليقاً